ابن الفارض
53
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
لإظهاره ، والجملة خبر ما ، وانتصاب عجزا على المفعول له ، والضمير في ( قلت ) عائد إلى أمور التقدير : ظاهر أمري هو الذي أشكو إليك بعضه ، والذي اندرج تحت العنوان إظهاره واقع فوق قدرتي ، وأسكت لعجزي عن البيان عن أمور كثيرة لن تعد بنطقي من عنوان شأنه المقدور عليه ، فانظر إلى ما تحت العنوان الغير المقدور عليه ، كيف يكون في هذين البيتين من الصنعة التطبيق ، وهو الجمع بين المتقابلين نحو فوق وتحت ، وتجنيس الخطّ وهو تشابه الكلمتين خطّا لا لفظا ، نحو قلت وقلت ، ثم أخبر عن عدم شفائه وامتناع دوائه بقوله - رحمه اللّه - : شقائي أشفى بل قضى الوجد أن قضى * وبرد غليلي واجد حرّ غلّتي ( أشقى ) : أشرف ويتعدّى بعلى ، ومفعوله محذوف تقديره : أشفى على الهلاك ، يقال : ( أشفى المريض على الموت ) ، أي : أشرف عليه وقرب موته . ( بل ) حرف عطف للإضراب عن الأوّل موجبا كان ، أو منفيّا . ( قضى ) : الأول بمعنى حكم ، والثاني بمعنى مات ، والضمير فيه عائد إلى شفائي ، و ( الغليل ) ، ( الغلّة ) : العطش ، و ( الوجد ) : الحزن ، ( الواجد ) : ضد الفاقد ، و ( أن ) في ( أن قضى ) مصدرية تقديره : ( قضى الحزن موته كشف عن دائه العضال ودوائه المحال بأن شفاءه قرب من الفناء ، بل الوجد حكم بفنائه ، وأن ما يسكن حرارة عطشه وشوقه من برد الوصول هو عين ما يهيج تلك الحرارة من حرّ الطلب ، فلا سبيل إلى [ 58 / ق ] الإرب ) ، وفي هذا البيت من الصنعة الاشتقاق في لفظي ( غليل ) و ( غلّة ) ، والتجنيس التامّ في لفظي ( قضى ) ، ( قضي ) ، وشبه الاشتقاق في ( شفائي أشفى ) ، ( الوجد والواجد ) ، ثم قال : وبالتي أبلى من ثياب تجلّدي ، * به الذّات ، في الإعدام ، نيطت بلذّتي ( البال ) : الحال والقلب ، ( أبلى ) : أفعل التفضيل من البلى وهو الرثاثة والتجلّد والتصبر ، و ( الثياب ) : جمع ثوب استعارة للتجلّد إشارة إلى تلبس النفس ، وأراد ب ( الذات ) النفس البشرية ، و ( الإعدام ) وجدان الشيء معدوما ، والهمزة فيه تسمّى همزة الوجدان ، كما في ( أحمدته ) : وجدته محمودا ، أو ( أبخلته ) : وجدته بخيلا . ( نيطت ) : فعل ما لم يسمّ فاعله ، من ناطه بكذا ينوطه نوطا علّقه به ، أي : ( وحالي في الرثاثة أخلق من لباس صبري ، بل نفسي في وجدانها معدومة منوطة بلذّتي ) ، يعني هما في محل واحد من الفناء أضرب عن إلحاق حاله في الرثاثة بالتجلّد ، وعلق ذاته في الفناء بلذّته ، ولما كانت النفس البشريّة قابلة للفناء ؛ لأنها في الأصل طبيعية والروح باقية في طيّ الغيب لا يدركها إلّا من كاشفه اللّه تعالى بحقائق الغيوب .