ابن الفارض

37

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

فإظهار الموجودات على صفة الوحدة صورة شهادة الحق تعالى أنه واحد لا شريك له شهادة أبدية أزليّة غير مستندة إلى سبب بقائها ، أو منزّه بحلها ، وليس للإنسان في هذا المقام قدم إلّا أن يلمح برق من جانب القدم أضاء به إرجاع سرّه وينطفئ سريعا ، وهو الذي اصطفاه اللّه لنفسه ، والشيخ العالم العارف أبو عبد اللّه الأنصاري - رحمه اللّه تعالى - قال في وصفه : ما وحّد الواحد من واحد * إذ كلّ من وحده جاحد توحيد من ينطق عن نعته * عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيده * ونعت من ينعته لاحد وأكثر كلام هذه الطائفة عمّا حكوه عن نعت القدم كان في هذا الوقت ؛ كقوله : فمن طال ، أو من قال ، أو صال إنما * يمت بإمدادي له برقيقة وأمثاله ، وإذا بلغ الكلام هذا المبلغ لزم تقصير أذياله . فلنرجع إلى المقصود من الشرح الموعود للقصيدة التي مطلعها قوله : سقتني حميّا الحبّ راحة مقلتي * وكأسي محيّا من عن الحسن جلّت ( الحميا ) سورة الشراب ، و ( المحيا ) : الوجه . وجلّ الشيء : عظم وجلّ عن كذا ، تعالى عنه ، والتاء في جلّت علامة تأنيث الضمير العائد على ( من ) الموصوفة ؛ لأن ( من ) يقع على المذكّر والمؤنّث سواء ، كما يقع على الواحد والاثنين والجماعة . وإضافة الحميا إلى الحب تتضمن معنى ( من ) [ 38 / ق ] . وإضافة الراحة إلى المقلة تتضمن معنى اللّام . والواو للحال ، تقديره : سقتني المحبوبة التي هي راحة لعيني سورة الشراب من جنس الحبّ . والحال أن كأسي التي شربت منها وجه محبوبة تعالت عن وصف الحسن ، ولما كان الحبّ أصلا يتفرّع عليه سائر الأحوال السنيّة وظهوره مستندا إلى شهود الجمال المطلق بإشهاد الذات العليّة .