ابن الفارض

38

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

بدأ بذكر وجدانه وسبب ظهوره الذي هو شهود مشهد جماله ، وكنى عنه ب ( راحة مقلتي ) ، لاستراحتها بتسريح النظر في مسارح شهود جماله ، وقيل أراد ب ( الراحة ) بطن الكفّ ، استعارها للمقلة رعاية للتناسب وترشيحا لاستعارة ( الحميّا ) للحبّ ؛ إذ الكفّ واسطة للسقي كالمقلة للشهود ، وليس ببعيد ؛ إلّا أنه أسند السقيّ إليها ، وإسناد الفعل إلى السبب أقعد منه إلى الآلة ويؤيّده قوله فيما بعد : وبالحدق استغنيت عن قدحي حيث نزّله منزلة القدح ، وإذا تبيّن أن ظهور الحبّ شهود الجمال ، وشهوده بإشهاد المشهد الأزليّ تعالى ذكره ، وهو بخاصيّته يورث الدهش والحيرة ، فلا يخفى على الفطن أنّ الحبّ بمثابة تلك الخاصية في الشراب والجمال بمثابة الشراب وشهوده كالشّرب ، وإشهاده كالسقي ، ومشهده كالساقي ، وإضافة الحميّا إلى الحب وتنزيله المحيّا منزلة الكأس يشعر بتنزيله الحبّ منزلة الخاصية في الشراب ، والجمال منزلة الشراب ؛ لأن المحيّا طرف الجمال الموجب شهوده الحبّ ، فكان الجمال شراب والحبّ حميّا ، وعبّر عن سببيّة ظهور الحب بالسقي لا بالشراب إيماء إلى أنه محض موهبة ، لا مدخل للكسب فيه ؛ إذ السقي فعل من الساقي دون الشارب . واستعار للحب لفظة الحميّا إشارة إلى أن فيه خواص الشرب من الإسكار والتفريح والتشجيع وغيرها ، وقرينة [ 39 / ق ] الاستعارة إضافة إلى الحبّ ، ثم رشحها بقوله : ( وكأسي محيّا ) ، ولكن جمال وجه تظهر فرجة جمال الذات وجودها المطلق الذي هو مرآة الجمال الصفاتي ، ووجه جمال الأفعال وجودها المقيّد الذي هو مرآة الجمال المقيّد بالأفعال المعبّر عنه بالحسن . وقد يقال لغير جمال الذات حسن نظر إلى وقوع التناسب الذي قالب الحسن في الصفات والأفعال ؛ لتعدّدها دون الذات لوحدتها ، وقوله : ( وكأسي محيّا عن الحسن جلّت ) إشارة إلى أنه محبّ الذات الشهود جمالها ؛ إذ لا يجلّ عن الحسن إلّا هي لنزاهتها وقدسها عن وصمة المناسبة ، ويؤيّد هذه الإشارة ما يتضمّنه لفظ الحميّا من القوة والاشتداد ؛ لأن شدّة السكر مخصوصة بحب الذات ، وما في لفظ ( جلّت ) من التأثير لأن الذات مؤنث لفظي ، ولم يصرّح بالذات استعظاما لها ، وستر للجمال ، ورعاية لقاعدة التغزّلات .