ابن الفارض
36
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
الثانية : توحيد [ 36 / ق ] الصفات ، وهو إفراد صفته عن صفة غيره ، بمعنى إثبات الصفة للّه مطلقا ونفيها عن غيره ، وذلك إذا تجلّى اللّه بصفاته . الثالثة : توحيد الذات ، وهو إفراد الذات القديمة عن الذّوات ، بمعنى إثبات الذات للّه مطلقا وينفيها عن غيره ، وذلك إذا تجلّى اللّه له بذاته فيرى صاحب هذا التوحيد كل الذوات والصفات والأفعال متلاشية في أشعة ذاته وصفاته وأفعاله ، ويجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنها مدبرة لها ، وهي أعضاؤها لا يلمّ بواحد منها شيء إلّا ويراه ملمّا به ويرى ذاته الذات الواحدة ، وصفته صفاتها ، وفعله فعلها لاستهلاكه بالكليّة في عين التوحيد ، وليس للإنسان وراء هذه الرتبة مقام في التوحيد ، وهو التوحيد الأخصّ ، وقوله - رحمه اللّه تعالى - : فوصفي إذا لم تدع باثنين وصفهما * وهيئتها ، إذا واحد نحن ، هيئتي وأمثاله مشعر بأن له في هذا المقام قدم صدق ، ويرشد فهم هذا المعنى إلى تنزيه عقيدة أهل التوحيد عن الحلول والتشبيه والتعطيل ، لا كما طعن فيهم طائفة من الجاحدين العاطلين عن المعرفة والذوق بها ؛ لأنهم إذا لم يثبتوا معه غيره ، فكيف يعتقدون حلوله فيه أو تشبيهه به - تعالى عن ذلك علوّا كبيرا - وقوله : متى حلت عن قولي : أنا هي ، أو أقل ، * وحاشا لمثلي : إنها فيّ حلّت لنفي هذه التهمة عن نفسه ، ومثل لبيان هذا المعنى بحال جبرائيل - عليه السلام - حيث تمثّل بصورة دحية الكلبي ، ورآه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جبرائيل إذ ذاك وغيره دحية ، لقصور نظرهم عن نظره ، ولا شكّ أن جبرائيل لم يحل بدحية ، فلذلك قال : ولي من أصحّ الرؤيتين إشارة * تنزّه عن رأي الحلول عقيدتي وأما التوحيد الرحماني ، فهو أن يشهد الحق سبحانه [ 37 / ق ] على توحيد نفسه بإظهار الوجود ؛ إذ كل موجود يختصّ بخاصيّته ، لا يشاركه فيها غيره ، وإلّا لما تعيّن . وهذا الوجود فيه دليل على وحدانية موحده ، كما قيل : ففي كل شيء له آية * تدلّ على أنه واحد