ابن الفارض
35
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
الفصل الخامس في التوحيد « 1 » كل المقامات والأحوال بالنسبة إلى التوحيد كالطّرق والأسباب الموصلة إليه ، وهو المقصد الأقصى والمطلب الأعلى ( وليس وراء عبادان قرية ) ، وحقيقة التوحيد تجلّ عن أن يحيط بها فهم ، أو يحوم حول حماها وهم إذ هو بحر وقف بساحل العقول وامتنع على الأرواح والقلوب [ 35 / ق ] إلى كنهة الوصول ، وتكلم كل طائفة فيه - بعضهم - بلسان العلم والعبارة ، وبعضهم بلسان الذوق والإشارة وما قدروه حقّ قدره ، وما زاد بيانهم غير ستره ، إلّا أن أرباب الذوق لمّا كانت إشارتهم عن وجدان وبيانهم عن عيان ؛ لاحت إشارتهم لأسرار المحبّين لوائح الكشف المبين ، وأذابت عباراتهم قلوب المتعطشين لذة برد اليقين ، كما قيل التوحيد إسقاط الإضافات ، وقيل : تنزيه اللّه عن الحدث ، وقيل : إسقاط الحدث وإثبات القدم ، وحاصل الإشارتان التوحيد إفراد القدم عن الحدث : عباراتنا شتّى وحسنك واحد * وكل إلى ذاك الجمال يشير وللتوحيد مراتب علم وعين وحق كما لليقين علمه ما ظهر بالبرهان وعينه ما ثبت بالوجدان وحقّه ما اختصّ بالرحمن . أمّا التوحيد العلمي ، فتصديقي إن كان دليله نقليّا وهو التوحيد العام ، وتحقيقه إن كان عقليّا وهو التوحيد الخاص والمصدق ، وإن علم أن للخلق إلها واحدا لا شريك له ، لكنه قد يعتريه الشبه ، والمحقّق يشاهد بعقله المقبل على اللّه تعالى أنوار الهداية ، ويعلم يقينا بالدليل القاطع أن الموجود الحقيقي هو اللّه سبحانه وكل ما سواه معدوم الأصل وجوده ، وجوده ظل وجود الحق ، فيعتقد أنه ليس في الوجود فعل وصفة وذات إلّا للّه حقيقة لكنه لا يجد بمجرد هذا العلم عين التوحيد لتعوقه عنه بالتشبّثات الجسمانية والتعلقات النفسانية . وأما التوحيد العيني الوجداني ، فهو أن يجد صاحبه بطريق الذوق والمشاهدة عين التوحيد ، وهو على ثلاث مراتب : الأولى : توحيد الأفعال ، وهو إفراد فعل الحق عن فعل غيره ، بمعنى إثبات الفاعلية للّه مطلقا ونفيها عن غيره ، وذلك إذا تجلّى اللّه تعالى بأفعاله .
--> ( 1 ) التوحيد : هو الحكم بوحدانية اللّه تعالى دون شريك وله أركان ومراتب .