ابن الفارض
31
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
وقوله : والسكر منه قد أفقت فكيف يكون صاحب سكر وصحو معا ، وتندفع هذه الشبهة بأن يقال قوله الشعر بالصحو إخبار عن الحالة الحاضرة أو يقال : السكر الزائل في الصحو الثاني هو الذي يظهر من مشاهدة جمال الصفات ، ولا يستقر من حال الشهود إلّا هذه ، والسكر الواقع في الصحو الثاني هو الذي يظهر من مشاهدة جمال الذات ، فلا يزول لعدم استقرارها حال شهود الذات ، فإنه لا يحصل لأحد في الدنيا منها إلا لمحات يسيرة ( لي مع اللّه وقت ) عبارة عنها ، ومواطن استقرارها الآخرة والرؤية الموعودة في الآخرة لأهلها هي هذه ، والمقام المحمود لعلّه عبارة عنها . الفصل الثالث في الوجد والوجود الوجد مصادفة الباطن من اللّه سبحانه واردا يورث فيه سرورا ، أو حزنا ، ويغيّره عن هيئته ويغيبه عن أوصافه بشهود الحق ، قال الجنيد - رحمه اللّه - : ( الوجد هو انقطاع الأوصاف عند سمة الذات بالحزن ) ، وقال قوله بالحزن لعلّ قبله سقطا وأصله هكذا عند سمة الذات بالسرور ، وقال ابن عطاء : ( هو انقطاع الأوصاف عند سمة الذات بالحزن ) [ 31 / ق ] ، كما يعلم من التوجيه الذي ذكره قاله مصححه لمّا كان الوجد سببا لانقطاع الأوصاف البشرية نزل منزلته ، فكأن الجنيد نظر إلى أن الحزن يستلزم بقاء بعض الأوصاف ؛ لأنه انعصار بقيّة الوجود ، فلذلك قيد انقطاع الأوصاف بكون الذات موسومة بالسرور ، وكأنّ ابن عطاء نظر إلى أن السرور فيه حظّ النفس ، وهو دليل وضعها ، فقيّد الانقطاع بكون الذات موسومة بالحزن ، والوجد لا يكون إلّا لأهل البدايات لأنه يرد عقيب الفقد فمن لا فقد له فلا وجد له . والواجد صاحب التلوين يجد تارة بغيبة صفات النفس ، ويفقد أخرى بوجودها ، أشار إليه بقوله - رحمه اللّه - : ( وما فاقد في الصحو في المحو واجد لتلوينه أهلا لتمكين زلفة ) ، والوجدان أخص من الواجد ، لأنه مصادفة الحق تعالى . وأما الوجود ، فهو أخصّ من الوجدان ، لدوامه بدوام الشهود واستهلاك الوجد في الموجود وغيبته عن وجوده بالكليّة ؛ كما قال الجنيد - رحمه اللّه - : وجودي أن أغيب عن الوجود * بما يبدو عليّ من الشهود