ابن الفارض

32

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

والوجد صفة قائمة بالواجد تزول بفنائه ، والوجود صفة قائمة بالموجود تدوم ببقائه ؛ كما قال ذو النون - رحمه اللّه - : ( الوجود بالموجود قائم ، والوجد بالواجد قائم ) ، ومع قيام الوجد بالواجد لا يراه الواجد قائما إلّا بالوجود والألم يكن واجدا حيث فقد وجود الحقّ بوجوده ، ولهذا قال الشبلي - رحمه اللّه تعالى - : ( إذا ظننت أني فقدت فحينئذ وجدت ، وإذا حسبت أني وجدت فقد فقدت ) ، وقال أيضا : ( الوجد إظهار الموجود ) ، إشارة إلى المعنى المذكور ، وكذلك ما قال النووي - رحمه اللّه - : ( الوجد فقد الوجود بالموجود ) ، واعلم أن مشار الوجد تارة يكون سماع خطاب المحبوب ، وتارة يكون [ 32 / ق ] شهود جماله لمن لم يستقر حال سماعه وشهوده ، فإذا استقرّ صار وجده وجودا ووجوده مشهودا ، وشهوده مؤبّدا وسماعه مسرمدا ، فلا ينزع بمفاجأة حال الشهود والسماع ، ومن أرباب الشهود وأصحاب الوجود من يرقص في السماع ، لا لأنه يجد مفقودا فيجعل للسرور أو يفقد موجودا فيضطرب للحزن ، بل لأن فطرته تشتمل على أصول مختلفة وقوى متنوّعة متنازعة تنجذب روحه إلى علوّ ونفسه إلى أسفل ، ويستتبع كل منهما القلب إلى جهة ، فيتردّد بين الجاذبين الداعيين له بدعوة هذا إلى جهة وهذا إلى أخرى ، وهو يجبره إلى تجريد « 1 » الخطاب وتفريد الدعوة ، فيضطرب قالبه لاضطراب قلبه ، لعلّه يسكن بالتحريك كما أن الطفل المضطرب في المهد يسكن بتحريك مهده ، وقول الناظم - رحمة اللّه عليه - : فينحو سماع النفخ روحي إلى قوله : يسكن بالتحريك وهو بمهده بيان لهذا المعنى ، فهذا الرقص ليس بنقص كما قيل الرقص نقص ، وإنما النقص برقص من يطربه الوجد بعد الفقد ، ويستريح بالوجد لا بالموجود في الوجد ، ومن شهد في وجده الموجود غاب بوجود الموجود عن وجده ، وصار وجده وجودا ، كما قال الجنيد - رحمه اللّه تعالى - : قد كان يطربني وجدي فأفقدني * عن رؤية الوجد من في الوجود موجود الوجد يطرب من في الوجد راحته * والوجد عند شهود الحق مفقود

--> ( 1 ) التجريد هو : خلع العبد سرّه عمّا سوى اللّه تعالى من الأغراض الدنيوية ، ومن الأغراض الآجلة والعاجلة لوجوب حقّ اللّه تعالى .