ابن الفارض

254

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

الجسم والجسمانيّات ، وصارت كضحوة وجود الروح ، والروحانيات نيّرة وتلاشت آثار التفرقة في عين الجمع ، ثم أخبر عن مشاهدة تلك الحالة بعد التعلق بالبدن ، فقال : فأشهدتني كوني هناك فكنته * وشاهدته إيّاي والنّور بهجتي يعني : فجعلت نفسي شاهدة وجودي في ذلك المقام ، فكنت عين مفيض الجمع ورايته عين ذاتي ؛ وذلك لأن الجمع يفيد هذا الشهود ، وصاحب هذا المقام يحيط بجميع أجزاء وجوده أشعّة نور الذات وببقائه تكثر الأنوار ، وتبتهج الأسرار ، فلذلك قال : ( والنور بهجتي ) ، ولما كان الجمع حاكما بزوال التفرقة ، ونفى رؤية الغير ، وغلب على الناظم - رحمه اللّه - معنى الجمع ختم هذه القصيدة بذكر بعض أحكام الجمع ، وتفرّده بحيازة فضله فقال : فبي قدّس الوادي ، وفيه خلعت خل * ع نعلي على النّادي ، وجدت بخلعتي وآنست أنواري ، فكنت لها هدى * وناهيك من نفس عليها مضيئة وأسّست أطواري ، فناجيتني بها * وقضيت أوطاري ، وذاتي كليمتي ( خلعت ) عليه ثوبي : ألبسته إياه ، وخلعت نعلي : نزعته ، والخلعة : ثوب يلبس على أحد ، وجدت عليه بخلعتي : أعطيتها ، وأراد ب ( النادي ) أهله من الطلاب الذين جمعتهم رابطة الطلب ، وب ( الإيناس ) : الرؤية ، وب ( الأطوار ) : مقامات المناجاة والقرب جمع طور الذي هو محل مناجاة موسى - عليه السلام - ، واللام في ( الوادي ) للعهد و [ 324 / ق ] هو الوادي المقدّس الذي أمر فيه موسى - عليه السلام - بخلع نعليه في قوله سبحانه : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [ طه : الآية 12 ] ، والضمير في ( لها ) ( للأنوار ) ، و ( الهدى ) بمعنى الهادي ، و ( من ) في ( من نفس ) لبيان خبر ناهيك ، وقوله : ( فكنت لها هدى ) أي : رأيت الأنوار التي يهتدي بها طلاب الحقيقة في الواد المقدّس مهتدية مني إلى الوجود بحكم الجمع ، وأعقبه بما يصلح للتعليل ، وهو قوله : ( وناهيك من نفس عليها مضيئة ) ؛ وذلك لأن تلك الأنوار مضيئة بسبب إدراك النفس إيّاها ، وأمّا بالنسبة إلى نفسها ، فمظلمة لا تدرك إضاءتها ، والنفس مضيئة في ذاتها على ذاتها ، والنّير بالغير يستنير بالذات ، والباء في ( فبيّ ) للسببية ، أي : بسبب أني عين مفيض الجمع ، ثم قال : وبدري لم يأفل ، وشمسي لم تغب * وبي تهتدي كلّ الدّراري المنيرة وأنجم أفلاكي جرت عن تصرّفي * بملكي ، وأملاكي ، لملكي ، خرّت