ابن الفارض
219
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
تحقّقت أنّا ، في الحقيقة واحد * وأثبت صحو الجمع محو التّشتّت وكلّي لسان ناظر مسمع يد * لنطق وإدراك وسمع وبطشة الشعب : الجمع ، وهو من الأضداد بمعنى الجمع والتفرقة ، و ( الصّدع ) : الشق والتفرّق والفطور الصدع والشمل التفرقة ، والتوثيق الاعتصام بالشيء الوثيق والإيناس ضدّ الإيحاش [ 276 / ق ] ، ويجئ بمعنى الرؤية ، و ( الودّ ) بضم الواو ، والمحبّة بكسرها المحبوب ، كالحبّ والحب ، واللام في ( لوحشة ) بمعنى إلى ، و ( تحقّقت ) أي : تيقّنت جواب لما وانتصاب غير مشتّت على الحال من الضمير في شعبت ، وأراد بالإدراك : إدراك البصر لدلالة سياق الكلام عليه ، فلو أتى بدله بالإبصار لكان نصّا ، ولعلّه عدل عنه ؛ لأن الإدراك أتمّ منه لقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : الآية 103 ] ، وما في ( ما بيني ) صلة ، وما في ( ما يؤدي ) موصولة فاعل لم يبق ، يعني : لما جمعت التفرقة غير مفروق والتأمت صدع فرق حاصل بسبب فرق الوصف لا بحسب فرق الذات ، ولم يبق بيني وبين توثّقي بسبب إيناس المحبّة إياي ما يؤدّي إلى وحشة من الأوصاف تيقّنت أنا في الحقيقة واحدا ، أي : عملت يقينا أن المعبّر عنه بالمحبّ والمحبوب ذات واحدة ، وأثبت ( صحو الجمع ) أي ما أشرنا إليه من جمع الجمع معنى التفرّق ، ( وكلّي لسان ) النطق وناظر الإدراك المرئيّات ، ومسمع السمع ، ويد البطش ، وتحقيق هذا الكلام أن العاشق والمعشوق يتّحدان بحسب الذات ، ويختلفان بحسب الصفات الأخرى أنهما في الصورة صفتان مشتقّتان من عين واحدة وهي العشق ، فما دام العشق يطلب وصل المعشوق متقيّدين بصفتهما حيل بينه وبين ما يشتهي ؛ لأن وصف العاشق فقر وذلة وانكسار ووصف المعشوق عزّة وافتخار ، وعبّر الناظم عن هذين الوصفين بفرق الوصف ، فلا يمكن اجتماعهما إلّا في عين العشق بخلع لباس العاشقيّة والمعشوقيّة عنهما ، وذلك إذا كان العاشق يعشق العشق - كما مرّ ذكره - فلا يعشقه وهو غير مطلق عن وثاق تقيّده بإرادته ووجوده ، ووصول من العاشق والعشق الذي هو المعشوق الحقيقي ، بل اتّحاد واقع لازم والاستئناس بالمحبّة والوثوق به والاعتماد عليه لا يكون إلّا في هذه المواصلة لعدم المنافاة الموجبة للوحشة فيها ، بخلاف ما إذا كان للمعشوق خارج العشق ؛ لأن ما يؤدّي إلى الوحشة واقع [ 277 / ق ] بين العاشقين ؛ كما دلّ عليه قوله : ( ولم يبق ما بيني وبين توثقي بإيناس ودّي ما يؤدّي لوحشة ) ، وفي هذا المقام يتحقّق ما قيل : العشق والعاشق والمعشوق واحد ، وأشار إليه الشيخ العارف أحمد الغزالي - رحمه اللّه - في كتابه ( السوانح ) ، ولذلك علّق الناظم - رحمه اللّه تعالى - التوحيديّة في قوله : تحقّقت أنا في