ابن الفارض
200
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
و ( العبير ) : أخلاط تجمع للطيب ، وقيل : الزعفران ، والصحيح الأول ؛ لقوله - عليه السلام - : « أتعجز إحداكنّ أن تتخذ ثومة ، ثم تلطخها بعبير أو زعفران » « 1 » ، و ( المفتّت ) : المسحوق ، أي : وأنشقتني طيب رائحتي ، والحال : أن طيب رائحة تنفّسي تجعل أنفاس العبير المسحوق معطّرة ، ومن قوله : ( وأعجب ما فيها شهدت إليّ ) هنا ذكر عجائب الوجد ، ولما كان منشأ هذه العجائب ، وجد أن المشاهد حقائق الأشياء في ذاته بذاته ، لا في غيره بغيره ، كمن يجدها في عالم بالصورة بالحسّ أشار إلى تنزّه ذاته في المشاهدة عن مشاركة وصف الحسّ ، فقال : وعن شرك وصف الحسّ كلّي منزّه * وفيّ ، وقد وحّدت ذاتي نزهتي يعني : وكل وصف من أوصاف ذاتي منزّه عن مشاركة وصف الحسّ كتنزّه سمعي الذاتي ، وبصري الذاتي عن مشاركة سمعي الآلي في وصف الإدراك بالآلة ، وهكذا في سائر الصفات ، ونزهتي وتفرّحي واقع في ذاتي ، والحال أني وجدت ذاتي أني نزهتها عن الشّرك ، ولما كان المدح يقتضي اكتساب الممدوح به فضيلة ، والذات أفضل من الصفات ، قال : ومدح صفاتي بي يوفّق مادحي * لحمدي ، ومدحي بالصّفات مذمّتي أي : ومدح صفاتي بذاتي تجعل من مدحتي موقعا لحمدي ، والحال : أن مدحي بالصفات مذمّتي ؛ وذلك لأن معنى المدح ذكر الشيء بما يكسبه فضيلة ، ومعنى الحمد ذكر الشيء بما فيه من الفضيلة ، ولهذا لا يقال : ( المدح للّه ) ، كما يقال : ( الحمد للّه ) ، فمن مدح الذات بصفاتنا عند ذكرها ، فقد ذمّها بالحقيقة ، لأنه مدح الفاضل ، بالمفضول ، ومن مدح الصفات بالذات فقد حمد الذات ، ومدح الصفات بالذات فقد حمد الذات ومدح الصفات ؛ لأنه مدح المفضول بالفاضل ، والتوفيق جعل الأسباب متوافقة في [ 251 / ق ] التأشير بقوله : ( وفّقه اللّه لكذا ) ، أي : جعله صاحب الأسباب المتوافقة لحصوله ، ومدح الذات الصفات يتصوّر في حق المحجوبين عن حقيقة الذات والصفات الذين يشهدون صفاتها في مظاهر الأفعال ، فيستدلّون بوجود الأفعال على الصفات ، وبوجود الصفات على الذات ، فهم بمعزل عن الوصول إلى حقيقة الذات والصفات . وأمّا من مدح الصفات بالذات ، فهو صاحب كشف الذات والواصل إليها بعد مجاوزة مفاوز الصفات ، يشاهد الذات
--> ( 1 ) رواه النسائي ( 8 / 159 ) ، وفي الكبرى ( 5 / 435 ) ، وإسحق بن راهويه ( 1 / 271 ) .