ابن الفارض
148
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
كان مناط المحبة مشاهدة الحسن والجمال ، وتأثيرها استنزاع عروق صفات المحبّ ، واستند إلى صفات المحبوب كما قال الجنيد : « المحبة دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحبّ » ، قال : صرفت لا كلّي على يد حسنها * فضاعف لي إحسانها كلّ وصلة أي : بذلت لمحبوبتي كل أوصافي ، وصرفت لها نفس وجودي على يد حسنها ، فضاعفت [ 183 / ق ] إلى إحسانها في مقابلة ما بذلت لها من أوصافي ، وكل وصلة من وصلات أوصافها الموهوبة لي من السّمع والبصر وغيرهما لا وجود كل وصف من أوصافي قبل انخلاعي عنه كان وصلة جزئية مخصوصة بمظهر جزئي ووجود كل وصف حقيقي وصل إليّ من أوصاف ذات المحبوبة بعده صار وصلة كليّة مطلقة شاملة جميع الذات وأصله إلى كل المظاهر ، كما أخبر عنه بقوله : يشاهد منّي حسنها كلّ ذرّة * بها كلّ طرف جال في كلّ صرفة ويثني عليها في كلّ لطيفة * بكلّ لسان طال في كلّ لفظة وأنشق ريّاها بكلّ رقيقة * بها كلّ أنف ناشق كلّ هبّة ويسمع منّي لفظها كلّ بضعة * بها كلّ سمع متنصّت ويلثم منّي كلّ جزء لثامها * بكل فم في لثمه كلّ قبلة ( جولان ) الطواف في شيء عبارة عن النظر فيه ، و ( الطرفة ) فعلة من طرفه يطرفه بفتح العين في الماضي ، وكسرها في الغابر : حرّكه ، والمراد بها لمحة ، و ( الرّيا ) : رائحة طيبه ، ( نشق ) ينشق نشقا : شمّ ، ( هبّة ) : هبّة مرة من الهبوب ، و ( البضعة ) في الأصل قطعة من اللّحم ، والمراد هنا جزء ، ( متنصّت ) سمع ، ( التنصّت ) : الاستماع لا بحديث ، ( لثم ) يلثم لثما ، و ( اللّثام ) : ما يستر به الوجه استعارة للصورة الحسّية اللّابسة جمال الذات بحسنها ، وكنى باللّثم عن الملمس والذّوق لاستلزامه إيّاها ، أي : يشاهد حسن المحبوبة كل ذرة مني لمع بها كل عين في كل لمعة ، ويثني عليها كل لطيفة موجودة في كل لسان طويل في كل لفظة جرت عليه ، وأشمّ طيبها بكل رقيقة من رقائق وجودي ينشق بها كل أنف ناشق كل رائحة ، ويسمع لفظها كل جزء مني يسمع به كل سمع مستمع إلى الحديث ، ويقبل كل جزء مني لثامها بكل فم يكون في لثمه كل [ 184 / ق ] قبلة ، اعلم - أيّدك اللّه - أنّ لهذه الأبيات الخمسة ثلاثة معاني ، أولها : ظاهر يتعلق بالشعر ، وهو مشرب الطبع بقول الشاعر أنه للمبالغة غير مطابق للواقع ؛