ابن الفارض
147
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
محل المباهاة والافتخار حيث نال من المحبوبة نوالا فوق مرجوّه وحالا وراء مأموله من قرب القرب ، وهو الغيبة في حال القرب عن رؤية القرب ؛ لأن من يرى أنه قريب فهو بعيد ؛ كما قال أبو يعقوب السنوسي - رحمه اللّه - : « ما دام العبد يكون بالقرب لم يكن قريبا حتى يغيب بالقرب عن القرب ، فإذا ذهب عن رؤية القرب بالقرب ، فلذلك قرب » ، ولما كان القرب الحقيقي الذي هو زوال البعد والبينونة من كل وجه بين المحبّ والمحبوب لا يتحقّق إلا باشتمال المحبوب على المحبّ بحيث لا يبقى منه شيء ظاهرا ، أو باطنا إلّا وقد يعمّه ويظهر عليه ، وذلك عين اللّطيف أشار لهذا المعنى بقوله : وأرغم أنف البين لطف اشتمالها * عليّ بما يربي على كلّ منية أي : أزال ( البين ) وهو البعد بيننا ( لطف اشتمال ) المحبوبة عليّ بوصف يزيد على كل منيّة [ 182 / ق ] ومراد ، يقال : ( أرغم أنفه ) أي : أوصله إلى الرغام ، وهو التراب الرقيق يستعار لمعنى الإذلال ، ( أربى عليه ) أي زاد ، ثم أخبر عن ثبات محبّته ، وعدم تغيّرها بالزوال والنقصان ونبات حسن المحبوبة ، كذلك لما بينهما من الملازمة لقوله : بها مثل ما أمسيت أصبحت مغرما * وما أصبحت فيه من الحسن أمست أي : ليس غرامي بالمحبوبة ولا حسنها متغيّرا عن حاله ، لأني أصبحت مغرما بها مثل ما أمسيت ، وهي أمست مثل ما أصبحت فيه من الحسن ، فأراد بهذا الغرام حبّ الذات الذي لا يتغيّر بتبدّل الصفات ؛ كما أراد بهذا الحسن جمال الذات الذي لا يتطرّق إليه التغير لما فيه من الثبات ، ثم قال : فلو منحت كلّ الورى بعض حسنها * خلا يوسف ما فاتهم بمزيّة ( خلا ) حرف جر بمعنى الغير ، فإنه فاقه ، ومنه قول الباخزري : بأمن وفاتي في فوات وصالي * فت الحسان فوات قبل فواتكا يعني : لما كان حسن يوسف ، بل حسن كل الحسان فيضا من فيض جمال الذات ، وبعضا من كلّه ، فلو أعطت كل الورى سوى يوسف حصة من حسنها لساوى حسن كل منهم حسن يوسف ؛ لأنه منح بعض الحسن الذي فاق به جميع الورى ، فلم يصح تقدير الواقع له ، فقدر لغيره أنهم لو منحوا ما منح لما فاتهم بمزيّة ، وعبّر ههنا عن جمال الذات بحسنها لما بينهما من المقارضة بإعطاء كل منهما معناه الآخر ، ولمّا