ابن الفارض

143

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

شيء ؛ لأن افتتانه بحسن الصورة لا يكون إلّا بعد العلم أن الذي أدركه من الجمال المقيّد هو الجمال المطلق مع قيد استلزام المقيد المطلق ، فعلى هذا لو ظهرت الذات لجمالها في صورة حسن تزاحمت على مشاهدتها أبصار كل قبيلة من قبائل المحبّين ؛ كما قال : إذا أسفرت في يوم عيد تزاحمت * على حسنها أبصار كلّ قبيلة فأرواحهم تصبو لمعنى جمالها * وأحداقهم من حسنها في حديقة أضاف حب الجمال إلى الأرواح لأنه أمر معنوي كلّي لا يدرك إلّا بسعة عين الروح والتمتّع من حسنها إلى الأحداق ؛ لأنه أمر جزئي صوري يدرك بالأحداق ، وقوله : ( في يوم عيد ) إشارة إلى أن كلّ وقت يتضمّن سفور ذات المحبوبة وظهورها يكون في التيمّن والشرف عند المحبّين يوم عيد ، وكيف لا ؟ والأزمنة كلّها متساوية نظر إلى ذواتها ، لأنها ظروف الأحوال ، ولا تفاضل بينها إلّا بحسب التفاضل بين الأحوال الواقعة فيها ، فلذلك قال : وعندي عيدي كلّ يوم أرى بها * جمال محيّاها بعين قريرة وكلّ اللّيالي ليلة القدر إن دنت * كما كلّ أيّام اللّقا يوم جمعة وكما أن شرف الأزمنة وفضيلتها هو شرف الأحوال الواقعة فيها ؛ فكذلك شرف الأعمال بشرف النيّات والمقاصد الباعثة عليها ، وشرف النيّة في العمل حصول المحبوب ومشاهدته وأن يؤدي للمحبوب ، ويكون خالصا لوجهه غير مشوب بغرض [ 177 / ق ] آخر ، وينبئ عن هذا المعنى قوله : وسعى لها حجّ به كلّ وقفة * على بابها قد عادلت كلّ وقفة أي : وجدّي واجتهادي لأجل المحبوبة قصد شريف قد عادلت به كل وقفة من وقفات الحجّ بعرفات ، ولما فرغ من بيان الأزمنة والأعمال بما فيها من الاختصاص بالمحبوبة طفق في بيان شرف الأمكنة ، لذلك قال : وأيّ بلاد اللّه حلّت بها فما * أراها وفي عيني حلت غير مكّة وأيّ مكان ضمّها حرم ، كذا * أرى كلّ دار أوطنت دار هجرة وما سكنته فهو بيت مقدّس * بقرّة عيني فيه ، أحشاي قرّت ومسجدي الأقصى مساحب بردها * وطيبي ثرى أرض عليها تمشّت