ابن الفارض
138
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
ودلّ على هذا المعنى قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم عقيب السلام من الصلاة : « اللّهمّ أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام » « 1 » ، أي : اتّحد المسلّم والمسلّم عليه ، ولما اقتضى صدق المحبّة والإخلاص فيها إخفاء الحال ، واستوجب الطرب بحضرة المحبوب الإنشاد والتغزّل بما يظهر من أطيب المواجيد ، وأندرها في البداية ، قال : وأطيب ما فيها وجدت بمبتدا * غرامي ، وقد أبدي بها كلّ نذرة ظهوري ، وقد أخفيت حالي منشدا * بها طربا والحال غير خفيّة ( فيها ) أي : في حبها ، والضمير ( بها ) للمحبوبة ، ( وجدت ) بمعنى أصبت حذف مفعوله ، وهو الضمير العائد إلى ( ما ) ، والضمير في ( أبدى ) للغرام ، ( وقد أبدى للحال ظهوري ) خبر ( أطيب ) ، ( وقد أخفيت حالي ) جملة حالية ، وكذا ( والحال غير خفيّة ) ، وقوله : ( منشدا ) نصب على الحال والعامل فيه ( ظهوري ) ، و ( طربا ) نصب على المفعول له ، و ( بها ) متعلقة به والعامل فيه ( منشدا ) ، وقوله : فيما يلي هذا البيت ( بدت ) مفعول ( لمنشدا ) أي : منشدا هذا الغزل ، معناه : وأطيب شيء أصبته في حبّها في بداية غرامي ، والحال : أن الغرام بها أظهر كل ندرة ظهوري منشدا لأجل طربي بحبها مخفيا حالي ، والحال أنّ حال المحبّ غير خفيّة ، وما أنشد بها متغزّلا ، هي هذه الأبيات المتوالية عدّتها أحد وخمسون بيتا ، أوّلها : بدت فرأيت الحزم في نقض توبتي * وقام بها عند النّهى عذر محنتي أي : تجلّت المحبوبة فرأيت سداد الرأي في نقض توبتي من حبّها ، وقام عذر ابتلائي [ 171 / ق ] بحبّها عند العقل بسبب جلوتها ، وذلك أن العقل يلوم المحبّ على محبّته قبل اكتحال عينه بنور مشاهدة جمال المحبوب لما يرى جسمه مبتلى بالسّقم ، ونفسه عرضة للتّلف والفناء ، وعند مطالعة جماله يعلم أني محبّ معذور في محبّته وضني جسمه سار العشق والشوق ، وفداء نفسه عند اللّقاء سمّى بذلك لأنه نهى صاحبه عن الوقوع فيما يضرّه ، ولمّا كان المحب في بداية محبّته تجمع نفسه عن الرّياضة طالبا للحظوظ ، وللأماني في النهاية تنقاد وتستسلم للمحن والبلايا منسلخة عن كل الأماني والآمال ، قال :
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 414 ) ، وأبو نعيم في المسند المستخرج على مسلم ( 2 / 189 ) ، وابن خزيمة في صحيحه ( 1 / 362 ، 363 ) ( 5 / 340 ، 342 ) ، وأبو داود ( 2 / 84 ) ، والترمذي ( 2 / 95 ) ، والنسائي ( 1 / 68 ) ، وابن ماجة ( 1 / 298 ، 300 ) .