ابن الفارض
136
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
ورجوعه عن صرف الجمع إلى مقام التفرقة مع الجمع وصاحب هذه المرتبة يقول : ( أنا عبده ) وهذه المرتبة فوق الثانية من حيث إنها لا تتحقّق إلّا بعد العبور على الثانية ، فإن الرجوع لا يكون إلّا بعد العروج ، وهذه المرتبة هي المقام المشار إليه بأن المرء يغبط دونه ، وعبّر الناظم - رحمه اللّه - عن الرتبة الأولى بقوله : ( أنا إياها ) ، وعن الثانية : ( بأنا إياي ) ، وعن الثالثة بذكر رجوعه عنها ، وعن بداية عروجه من الأولى ونهايته في الثانية بقوله : ( ومن أنا إياها إلى حيث لا إلى عرجت ) أي : عرجت من ( أنا إياها ) إلى مكان ليس فيه معنى ( إلى ) بل معنى ( عن ) ؛ لأنه ليس فوقها غاية ، فرجعت عنه وعن ( أنا إياي ) ، و ( عطرت الوجود برجعتي ) أي أشممت الخلق رائحة حالي ؛ لأن مسام أهل الإرادة لا تستنشق عرف الحال من صاحبها إلّا بعد رجوعها [ 168 / ق ] إلى التفرقة ، وقوله : ( الباطن حكمة . . . الخ ) أي : رجعت عن مقام الجمع إلى التفرقة بحكم باطنه وأحكام ظاهره ، أقيمت تلك الأحكام لدعوتي المريدين إلى الحقّ ؛ لأن في كل حكم شرعي حكمة باطنية يتعلق بها عمارة الدارين ومصلحة المنزلين ، وفي قوله : ( أنا إياها ) و ( أنا إياي ) شذوذ ، وهو إقامة الضمير المنصوب مقام المرفوع ، ثم قال : فغاية مجذوبي إليها ومنتهى * مراديه ما أسلفته قبل توبتي أراد ب ( المجذوب ) من جذب إلى الحضرة بواسطة أو بغيرها ، وإضافة إلى نفسه ؛ لأنه أراد به من انجذب إليها من مريديه ، وأراد ب ( مراديه ) مشايخه الذين هم قبلة إرادته ، فالضمير فيه عائد إلى المحبوب ، و ( بتوبتي ) رجوعه من الجمع إلى التفرقة بعد إفاقته من سكر الحال ؛ كما تاب موسى - عليه السلام - في قوله تعالى : فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ [ الأعراف : الآية 143 ] ، و ( الإسلاف ) : التقدم ، وقوله : ( فغاية مجذوبي ) خبره ( ما أسلفته ) ، يعني : قد وصلت في السير إلى مقام تخلّفت عنه أقدام السابقين ؛ لأن غاية مقام مريد جذب إلى الحضرة ، بقوة جاذبة الحال ، ومنتهى أقدام مشايخه هو مقام الجمع الذي قدمت قبل رجوعي منه ، فلا تسمّني باسم مخصوص من المريد والمراد وغيرهما ، ثم قال : ومنّي أوج السّابقين بزعمهم * حضيض ثرى أثار موضوع وطأة وآخر ما بعد الإشارة حيث لا * ترقّي ارتفاع وضع أوّل خطوتي قوله : ( مني ) يتعلق ( بوطأة ) ، وقوله : ( بزعمهم ) يتعلق بالسابقين ، أي : يزعمون سبقهم على ، و ( الأوج ) : أعلى الجبل ، و ( الحضيض ) : سفحه ، و ( الأوج ) مبتدأ وخبره