ابن الفارض

132

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

( أحمديّة ) ، وهي رؤية الحقّ تعالى ، وعبّر عن رؤية عينه بما يلزمها من حصول بناء في القلب مراعاة للأدب ؛ وذلك لأن كل واحد من المشاعر الحيّة جاسوس من جواسيس القلب تارة يأتيه السمع بنبأ ، وأخرى يأتيه البصر بآخر ، فهو منبأ من قبل السمع بمعاني الكلام ، ومن قبل البصر بأحوال المرئيّات ، ثم قال : وروحي للأرواح روح ، وكلّ ما * ترى حسنا في الكون من فيض طينتي أشار بهذا البيت إلى أنه يسبح وحده ، وقطب وقته تدور عليه دوائر الوجود ، ويستمدّ منه كل موجود يفيض من روحه على الأرواح البشريّة والملكية والجنية كل فيض وأصل إليها ، وكذلك من نفسه على النفوس ، ومن جسمه على الأجسام ، وقوله : ( وكل ما ترى ) أي : كل شيء تراه حسنا في ظاهر الوجود هو من فيض ظاهري الذي هو ( طينتي ) ، والمراد أنه بمثابة أن كون أثر كل ما يجري على ظاهره في ظاهر الكون إن حسنا فحسن ، وإن قبيحا فقبيح ، كما روي : ( أن أحد من المشايخ أحرق حانوت تحت رباطه فيه أقمشة فأمر خادمه بأداء عوض ما أحرق إلى صاحبه ، فلما سئل عنه ، قال : لبست سراويلي البارحة قائما على خلاف السنّة ، فعلمت أن أثره سيظهر ، وهذا منه ) ، ويسمى الموصوف بهذه الصفة قطبا ، وسيأتي الكلام في بيان مقامه إن شاء اللّه تعالى ، ثم قال : فذر لي ما قبل الظّهور عرفته * خصوصا ، فبي لم تدر في الذّرّ رفقتي أراد ( بالذرّ ) تعيّنات الأرواح الإنسانية في عالم الخلق بعد بروزهم من الأمر ، ولم تكن الأرواح قبل ذلك عارفة إلّا روح الأرواح الذي هو قطب الأقطاب ، فإنه عارف بسوابق الأمور وخواتمها في عالم الأمر قبل الظهور في عالم الخلق ، فلذلك قال الناظم - رحمه اللّه - على طريق الحكاية عن المقام المحمدي : ( فذر لي ما قبل الظهور عرفته ) ، أي : خصّت تلك المعرفة بي ، لا مدخل لغيري فيها ، ولم يدر بحالي بعد الظهور في صور الذرّ أحد من رفقائي في الطريقة المسلوكة إلى الحقيقة ، يعني الأنبياء والأولياء من المحبّين والمحبوبين ، ولذلك منع عن تسميته بالمريد ، والمراد بقوله : فلا تسمني فيها مريدا فمن دعي * مرادا لها جذبا فقير لعصمتي يعني : إذا عرف حالي فلا تدعني في زمرة الرفقاء باسم المريد والمحبّ الذي يسبق اجتهاده الكشف ، وعمل الجذبة ؛ لأن من دعي باسم المراد والمحبوب الذي