ابن الفارض
117
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
المادية منه ) ، أي : لأن كل مليح حسنه من جمال محبوبتي ، فكل عاشق هام بمعشوقه هام بها في الحقيقة ، كقيس هام بلبنى ، ومجنون هام بليلى ، وكثير هام بعزّة ، وجميل هام ببثينة ، فاشتاق كل منهم إلى وصف جمالها الذي لبسته بصورة حسن ظهر في حسن صورة ، وما كان ذاك اللّبس ، إلّا أن محبوبتي ظهرت بمظاهر معاشقهم ، فظنّوها غيرها ، والحال أنها تجلّت في تلك المظاهر بدت في كل برزة ، وتجلّت بواسطة احتجابها بمظاهرها الموجودة على صبغ التلوين ، وألوان استعداد الخلق ، واختفت بها ، فسبحان من احتجب بنور ظهوره ، وظهر بإسبال ستوره ، ومثال هذا الاحتجاب والظهور احتجاب نور الشمس ، وظهوره في بيت فرض فيه جماعة لم يخرجوا منه أبدا ، ولم يشاهدوا أنوار الشمس ، بل سمعوا وصفه بأنه نور واحد بسيط محيط ليس له لون ولا شكل ، وفي هذا البيت لا يكون كوّة إلا زجاجات مختلفة الألوان ، والأشكال في مقابلة الشمس كلما طلعت عليها ينعكس في البيت منها أنوار ملوّنة مشكّلة بالألوان الزجاجات وأشكالها ، فمنهم من يظنّ أنها أنوار تلك الزجاجات [ 144 / ق ] لا يهدي في الحقيقة إلى أنوار درّ الشمس المتشكّل بأشكالها المتلوّن بألوانها لما يراها موافقة للزجاجات لونا وشكلا ، مخالفة لما سمع من أوصاف نور الشمس ، ومنهم من يهتدي إلى حقيقة الحال ، ويلقي في سرّه أنها هي نور الشمس انصبغ بصبغ الزجاجات ، وتشكّل بأشكالها ، ولا يرى اختلاف تلك الألوان والأشكال فادحة في وحدته وبساطته وإحاطته ، وظهور ذلك النور في البيت بمظاهر الزجاجات « 1 » سبب احتجابه في حقّ طائفة ، وسبب ظهوره بصفاته في طائفة أخرى يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ [ النّور : الآية 35 ] ، ثم قال : ففي النّشأة الأولى تراءت لآدم * بمظهر حوّاء قبل حكم الأمومة فهام بها كيما يكون بها أبا * ويظهر بالزّوجين حكم البنوّة وكان ابتداء حبّ المظاهر بعضها * لبعض ، ولا ضدّ يصدّ ببغضة وأراد ( بالنشأة الأولى ) هنا خلق آدم وحوّاء - عليهما السلام - ، ( تراءى له ) : ظهر ، و ( ما ) في ( كيما ) زائدة ، ولا في ( لا ضدّ ) مشبّهة بليس ، ومحل ( يصدّ ) نصب بخبرها - أي : فأول ما بدت المحبوبة في المظاهر ظهورها بمظهر حواء لآدم قبل
--> ( 1 ) الزجاجة : هي القلب ، والمصباح هو الروح ، والشجرة التي توقد منها الزجاجة المشبّهة بالكوكب الدرّي هي النفس ، والمشكاة : البدن . وانظر : جامع الأصول في الأولياء ( ص 132 ) .