ابن الفارض

114

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

بالعين قرّت ) ، أي : اكتحلت عيني الظاهرة بعين الذات ، ثم قال : ومن سكرا فاقتي غنيت إفاقة * لدى فرقي الثّاني فجمعي كوحدتي ( سكرا ) نصبه على نزع الخافض ، أي : ومن فاقتي إلى سكرة ؛ لأنها بمعنى الاحتياج ، و ( إفاقة ) نصبه على المفعول له ، وقوله : فرقي الثاني إشارة إلى التفرقة بعد الجمع كما سبق ذكره ، وأراد [ 140 / ق ] بالجمع المخالطة مع الخلق بخلاف الوحدة ، يعني : لمّا أفقت من سكري غنيت من احتياج إلى غنية لأجل فاقتي الحاصلة عند وصولي إلى مقام الفرق الثاني الحاصلة ، فجمعي الآن كتفرقي ، أي : هما سواء لا تزاحم بينهما ، وهذا المقام نهاية الاتّحاد لامتناع الانفصال والفراق عن المحبوب فيه بأي حال بخلاف بدايته ، فإنه يتطرّق إليه الفراق بمعاودة حجاب الغين ، ولمّا فرغ من بيان مبدأ اتّحاده ومنتهاه ، وحصول المشاهدة « 1 » أقبل على السالك ، وأمره بالمجاهدة التي هي شرط المشاهدة ، فقال : فجاهد تشاهد فيك منك ، وراء ما * وصفت ، سكونا عن وجود سكينة أي : فجاهد في نفسك بإفناء صفاتها تشاهد منك فوق ما وصفت سكونا ، وطمأنينة صادرة عن ( سكينة ) ، أي : يقين ؛ لأن السكينة ما يسكن القلب عن اضطراب الشكّ ، والنفس عن اضطراب الهوى ، وهو اليقين ، وما علم بطريق الوصف نازل عن هذه الدرجة ، وهذا البيت من باب اللفّ والنشر ، تقديره : فجاهد فيك تشاهد منك ، وقوله : ( سكونا ) مفعول تشاهد ، وقيّده بالصدور عن سكينة ليتميّز عن سكون الجهل ، واستشهد لبيان مقاله بوصف حاله ، فقال : فمن بعد ما جاهدت شاهدت مشهدي * وهاديّ لي إيّاي ، بل بي قدرتي ( شاهدت ) بمعنى رأيت ، أحد مفعوليه ( مشهدي ) ، والثاني : ( إياي ) ، و ( هادي ) عطف على ( مشهدي ) ، و ( بل ) للإضراب عن الأول موجبا كان أو منفيّا ، وقد يأتي لترك الأوّل ، والأخذ في الأهمّ كما في هذا الموضع ، أي : تركت ذكر المشاهدة الأولى ، وأخذت في ذكر الثانية ، وهي مشاهدتي قدوتي بنفسي ، تقديره : ( بل شاهدت قدوتي بنفسي أخبر عن كيفية شهوده ) ، وبيان الاتّحاد « 2 » فيه ، فقال : ( شاهدت

--> ( 1 ) المشاهدة : رؤية الحقّ ببصر القلب . ( 2 ) الاتّحاد : هو شهود الوجود الحقّ الواحد المطلق الذي الكلّ به موجود بالحقّ ، فيتّحد به الكل من حيث كونه موجودا به معدوما بنفسه ، لا من حيث إن له وجودا خاصّا اتّحد به ، فإنه محال ،