ابن الفارض
104
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
العقل ، فتتقيّد بعد خلع هذارها بإمارة الشرع ، وإنارة العقل ، وتعود من صفة الأمّارية بالسوء إلى الأموريّة بالخير ، ومن العصيان إلى الطاعة ، لكنها لا تطمئنّ إليها لما فيها من المنازعة ، والتطارد بين داعية الطبع وحكم الإيمان ، فتارة تغلب داعية الطبع ، وتقوي جنود النفس ، فيدع القلب مخالفتها ، فتصير عاصية بعد الطاعة ، وتارة يغلب نور الإيمان ، وتقوى جنود [ 126 / ق ] القلب ، فتخالف النفس فتعود إلى الطاعة بعد العصيان ، وتقبل على نفسها باللّائميّة فيما همت به ، أو فعلت من العصيان وتسمّى بهذا الاعتبار لوّامة ، وتنتزع بتعاهد نور الإيمان ، ومخالفة داعية الهوى قليلا قليلا عن مستقرّها السفلي إلى عالمها الأصلي ، حتى إذا اطمئنّت إلى الطاعة ، واتّصفت بالصفات القلبية من الطمأنينة والرّضى تسمّى بهذا الاعتبار مطمئنّة ، ثم قال : فأوردتها ما الموت أيسر بعضه * وأتعبتها ، كيما تكون مريحتي أي بسبب أنها تطيع إذا خولفت وريّضت ، ( أوردتها ) مورد الموت أيسر وأهون ، بالإضافة إلى بعضه ، وهو مورد الرياضة ، وترك المألوفات والمرادات ، ويكون الموت أيسر بعضه ؛ لأن ترك كل مألوف موت اختياري ، ومفارقة الروح الجسد موت اضطراري ، ولا شكّ أن الموت الاختياري أشدّ وأصعب ، ولمّا كان في إراحة النفس إتعاب القلب حيث تطالبه بتحصيل مراداتها ، وتستحكم أصول عاداتها ، وفي إتعابها راحة القلب حيث تبعد عن راحاتها ، وتنسلخ عن طلب مراداتها ، وتريح القلب عن تعب مطالباتها ، قال : ( وأتعبتها كيما تكون مريحتي ) أي : كي تكون فما رائدة ، ثم قال : فعادت ، ومهما حمّلته تحمّلت * ه مني ، وإن خفّفت عنها تأذّت قال النحويون : أصل ( مهما ) ما ما ، وما الأولى شرطية ، والثانية زائدة كما في ( متى ما ) و ( إذا ما ) ، وشرطتها حملته فعل ما لم يسمّى من التحميل ، ويقتضي مفعولين أسند إلى الأول ، وهو الضمير المستكن العائد إلى النفس ، وعلامته التاء الساكنة ومفعوله الثاني المتّصل به العائد إلى ( ما ) وجزاؤها ( تحمّلته ) ، يعني فعادت من [ 127 / ق ] العصيان إلى الطاعة ، وصارت متحمّلة لأعباء المجاهدات بحيث ما حملته تحمّلته ، بل متلذّذة بحملها إلى غاية إن خففتها عنها تأذّت ، ثم قال :