ابن الفارض

105

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

وكلّفتها ، لا بل كفلت قيامها * بتكليفها حتى كلفت بكلفتي و ( التكلّف ) : إلزام الكلفة ، وهي المشقّة ، و ( لا بل ) لنفي ما قبل ، وإثبات ما بعد ، و ( الكفالة ) : الضمان ، و ( كلفت ) بمعنى ولعت ، يعني : ألزمتها لمشقّة لا بل ضمنتها لها أن تقوم بتكليف نفسها حتى ولعت بمشقّتي حين قامت بتكليفها ، وإضافة ( القيام ) إلى ضمير ( الهاء ) إضافة المصدر إلى المفعول ، ثم قال : وأذهبت ، في تهذيبها ، كلّ لذّة * وأشهد نفسي فيه غير زكيّة ( دونها ) : قدّامها ، و ( ما ) نافية ، وهي مع ( ركبته ) صفة ( هول ) ، وقوله : و ( أشهد ) نفسي إشارة إلى استمرار حال الشهود ؛ لوقوعه موقع الماضي ، إذ الواو للحال الماضي تقديره : ولم يبق أمر هائل قدام نفسي ما ركبته ، وكان الحال أني شهدتها فيه غير مزكاة ، وذلك [ 128 / ق ] لأن تخوّفها من شيء بقاء طلب الحظّ فيها ، والسالك إذا لم يتجرّد عن طلب الحظّ لم يكن لنفسه طهارة تامّة ، ولا عبودية خالصة ، وإن نفع بسلوكه مقامات الطريق لأن تحقيق كل مقام موقوف على انسلاخ النفس عن جميع الحظّ المعبّر عنه بالعبوديّة ، فلذلك قال : وكلّ مقام عن سلوك قطعته * عبوديّة حقّقتها بعبودة لأن العبودية تقييد النفس لربّها بالأحكام الخاصّة في مقام القرب ؛ كالصبر ، والرّضى ، والزهد ، والتوكّل وغيرها ، كما أن العبادة تقييدها بالأحكام الناصة في منازل الخدمة كالصلاة والصوم والحجّ وغيرها ، والعبودة تقيّدها بربّها ، وقيامها بإرادته ، ولا قدرة على العبادة إلّا بترك حظّ البطالة ، ولا على العبودية إلّا بترك حظوظ الدنيا ، ولا على العبودة إلّا بترك حظوظ الآخرة ، وصاحب العبادة قد يترك حظّ البطالة لحظوظ الدنيا ، وصاحب العبودية قد يترك حظوظ الدنيا لحظوظ الآخرة ، وصاحب العبودة يترك حظوظ الآخرة لقيامه بإرادة المحبوب ، لا بإرادة نفسه ، فلا يؤدّي العبد في مقام العبودية حقّ مقامه لقيامه بإرادة نفسه حتى إذا وصل إلى مقام العبودة ، فيؤدّي حقّ كل مقام قطعه في مقام العبوديّة وتحقّقه ، ثم قال : وكنت بها صبّا فلمّا تركت ما * أريد ، أرادتني لها ، وأحبّت فصرت حبيبا بل محبّا لنفسه * وليس كقول مرّ ، نفس حبيبتي ( صبّ بها ) يصب صبابة فهو صبّ : اشتاق ، يقول : وكنت قبل هذا مريدا لمحبوبتي غير مراد لوقوفي مع إرادتي ، فلما تركت إرادتي ومرادي صرت مرادا لها