ابن الفارض

101

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

بالإخلاص في كل عمل صالح يعمل للمحبوبة ، وهو تصفيته من شوائب الرّياء والسمعة ، وتطلّع الثواب ، وتقدير البيت : وأخلص للمحبوبة في كل ما عملت لها ، واخلص بهذه الخصلة من رعونة افتقارك من جنس أعمال برّ تزكت . أي : لا من جنس فقر فروى غير مختار ، فإنه ليس من الأعمال ، فكيف من أعمال البرّ ؟ ! ومعنى هذا البيت كأنه جواب عن اعتراض مقدّر على تفضيل الفقير على الغني ، فإن الفقير قلّما يخلص من رعونة إظهار الفقر ، فأرشد إلى الخلاص من هذه الرعونة بالإخلاص فيما يعمله للمحبوبة ، ثم قال : وعاد دواعي القيل والقال ، وانج من * عوادي دعاو صدقها قصد سمعة [ 122 / ق ] ( العوادي ) جمع عادية ، وهي الظلم والشرّ ، يقال : ( دفعت عن فلان عادية فلان ) ، أي ظلمه وشرور دعاوي النفس التي قصد بها سمعة ورياء ، على تقدير صدقها ، وذلك أن السالك إذا انقطع عن الدنيا وأشغالها صفا باطنه بملازمة الخلوة ومداومة الذكر ، وانعكس في جرأة قلبه نفوس عالم الملكوت ، وتنبّهت النفس منه بطريق الإشراق ، وتشرّبت عروقها اليابسة من هذا الشرب ، واهتزّت ، وربت وأنبتت من صفاتها الكامنة فيها من حبّ الجاه والرفعة ، والمنزلة عند الناس والرعونة والرياء وقصد السمعة ، ويريد أن يتوسّل إلى تحصيل مطالبها ومآربها بإظهار مكاشفات القلب ، ويغلب عليه داعية التكلّم بها ، ويظنّ أنها غير مضرّة بحاله لعلّه بالصدق فيما يدّعيه من الأحوال والمكاشفات ، وقصد بذلك إرشاد الطالبين ، ولذلك يغفل عن كيد الشيطان وتعزيزه وتسويل النفس وتلبيسها قصد السمعة في لباس الصدق ، فنبّه الناظم - رحمه اللّه - في هذا البيت على مزلّة أقدام السالكين ، ولما لم يعبّر عن حقيقة الحال كما هي سنّة العارفين ، وآل الأمر إلى الكلال نبّه السالك عليها ليمتنع عن التكلّم بكشف الحقيقة فإنه غير ممكن ، فقال : فألسن من يدعى بألسن عارف * وقد عبرت كل العبارات ، كلّت ( الفاء ) : للسببيّة ، و ( ألسن ) جمع اللسان ، و ( ألسن ) أفعل التفضيل من اللّسن ، وهو التفصح ، أي : عاد دعاوى التكلّم ؛ لأن ألسن جماعة معروفة بأنهم ألسن العارفين وأفصحهم . ( كلّت ) عن بيان الحقيقة « 1 » ، والحال أنها إن عبّرت عنها بأية عبارة

--> ( 1 ) حقيقة الحقائق : هي الذات الأحدية الجامعة لجميع الحقائق ، وتسمى حضرة الجمع وحضرة الوجود ، والحقيقة المحمدية : هي الذات مع التعيين الأول ، فله الأسماء الحسنى كلّها وهو -