عبد الله الأنصاري الهروي
569
منازل السائرين ( شرح القاساني )
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ 15 / 42 ] وهم قد صحّحوا هذه النسبة بالمحبّة الذاتيّة والإخلاص المحض ، فلا يتعلّق قلوبهم بما سوى محبوبهم ، ولا يلتفت إلى ما عداه ولا يتثبّط في السير إليه ، فلا يتطرّق للوسواس إليها « 1 » سبيل بوجه . وإنّما « تلذّ الخدمة » لأنّ المحبّة تقتضي تعظيم المحبوب بالتذلّل له ، فكلمّا كان تذلّله بالخدمة أكثر ، كان تلذّذه أشدّ ؛ ألا ترى أنّ العاشق كيف يلتذّ بتعفير الخدّ وتقبيل الأرض بين يدي معشوقه « 2 » ؟ حتّى يكون التذاذه بتعفير الجبين وتقبيل الأرض أكثر وأشدّ من التذاذه بتقبيل قدميه ورجليه - مع شدّة القرب ها هنا - رعاية لحقّ التعظيم ، وزيادة في الاحتشام ؛ وجد ذلك كلّ من صدق في عشق حسن الصورة ، مع طهارة النفس وملازمة العفّة . ولهذا كان العشق العفيف أقوى سبب في تلطيف السرّ والإعداد للعشق الحقيقي ، فإنّه يجعل الهموم همّا واحدا ويقطع توزّع الخاطر وتفرّقه ، وتلذّذ خدمة المحبوب ، ويسهّل التعب والمشقّة في طاعته ، وامتثال أمره ؛ بخلاف العشق المنبعث من غلبة سلطان الشهوة : فإنّه وسواس ناش « 3 » من تسليط الفكر في استحسان شمائل بعض الصور ، وعبادة للنفس بالسعي في تحصيل لذّاتها « 4 » . وعلى هذين النوعين يبتني مدح العشق الصوري وذمّه في كلام بعض العرفاء والحكماء « أ » .
--> المخلصون فلم يبق فيهم شيء من الأنانيّة والادّعاء وإنّما أبقاهم العبوديّة المحضة ، والعبد وما له لمولاه ، فلا سبيل للشيطان عليهم ، لأنّه لا يمكنه الظهور على اللّه تعالى الذي هو المالك لعباده . ( 1 ) د : اليه . ( 2 ) د : المعشوق . ( 3 ) م ، ه ، د : ناشىء . ( 4 ) ب ، ه : لذّتها . ( أ ) فالعاشق بالعشق العفيف عاشق لجمال المعشوق وحسنه ، وهذا وجه من وجوه التخلّق بأخلاق