عبد الله الأنصاري الهروي

33

منازل السائرين ( شرح القاساني )

--> وما قيل من « أنّ ما بين العبد والربّ ألف مقام لابدّ للسالك من قطعها » ، وكلّها تفريع هذه المقامات الثلاث . وأوّل ما يولد المولود في مقام النفس ، فإنّه حيوان كباقي الحيوانات ، لا يعرف إلّا الأكل والشرب ، لا غير . ثمّ بالتدريج يظهر له باقي صفات النفس من القوى الشهويّة والغضبيّة والحرص والحسد والبخل وغير ذلك من الصفات التي هي نتائج الاحتجاب والبعد من معدن الصفات الكماليّة ، فهو حيوان منتصب القامة ، يصدر منه الأفاعيل المختلفة بحسب الإرادات المتنوّعة ، فهو في الحجب الظلمانيّة الساترة للحقّ سبحانه وحقيقته . ثمّ إذا تيقّظ من سنة الغفلة وتنبّه على أنّ ما وراء هذه اللذّات البهيميّة لذّات أخر وفوق هذه المراتب مراتب أخرى كماليّة ، يتوب عن اشتغاله بالمنهيّات الشرعيّة وينيب إلى اللّه تعالى بالتوجّه إليه ، فشرع في ترك الفضولات الدنياويّة طالبا للكمالات الأخرويّة ، ويعزم عزما تاما ويتوجّه إلى السلوك إلى اللّه تعالى من مقام نفسه ، فيهاجر مقامها ويقع في الغربة . والمسافر لا بدّ له من رفيق يرافقه ودليل يدلّه على طريقه فيصاحب من له هذا التوجّه والعلم بالطريق ، وهو الشيخ ، ثمّ إنّه ما دام لا يعتقد فيه لا ينفتح له شيء ولا ينتفع صحبته ، فوجب عليه أن يعتقد فيه بالخير ، وأنّ صحبته منجية من المهالك وأنّه عالم بالطرق الذي يسير إليه ، وهو الإرادة ، فإذا تحقّق بالإرادة لا بدّ له أن يعمل بما يقوله الشيخ ليمكن له حصول المقصود ، حتّى قيل : « إنّ المريد بين يدي الشيخ ينبغي أن يكون كالميّت بين يدي الغاسل » . ثمّ إذا دخل في الطريق يزهد عن كلّ ما يعوّقه عن مقصوده من الأموال الدنياويّة وأحوال معيشته فيها ، ويتّقى عن كلّ خاطر يرد في قلبه ويجعله مائلا إلى غير الحقّ ؛ فيتّصف بالورع والتقوى والزهد ، ثمّ إذا يحاسب نفسه دائما في أفعاله وأقواله ويجعلها متّهمة في كلّ ما تأمر به ؛ وإن كان أمرها بالعبادة أيضا ، لأنّ النفس مجبولة على محبّة شهواتها ولذّاتها ، فلا ينبغي أن يؤمن من مداخلها فإنّها من المظاهر الشيطانيّة ؛ فإذا خلص منها وصفا وقته وطاب عيشه بالالتذاذ بما يجده في طريق المحبوب ، يتنوّر باطنه ، فتظهر له لوامع أنوار الغيب ، وينفتح له باب الملكوت وتلوح منه لوائح مرّة بعد أخرى ؛ فيشاهد أمورا غيبيّة في صور مثاليّة ؛ فإذا ذاق شيئا منها يرغب في العزلة والخلوة والذكر والمواظبة على الطهارة التامّة والوضوء والعبادة والمحاسبة ، ويعرض عن المشاغل الحسيّة ويفرغ القلب عن محبّتها ويتوجّه باطنه إلى الحقّ بالكليّة ، فيظهر له الوجد والسكر والوجدان والشوق والذوق والمحبّة والهيمان والعشق ، فيمحوه تارة بعد أخرى ، فيجعله فانيا عن نفسه ، فيشاهد المعاني القلبيّة والحقائق السريّة والأنوار الروحيّة ، فيتحقّق في المشاهدة والمعاينة والمكاشفة وتفيض عليه من العلوم اللدنيّة والأسرار الإلهيّة وتظهر له أنوار حقيقة تارة وتختفي أخرى ، حتّى يتمكّن ويخلص من التلوين وتنزل عليه السكينة الروحيّة ، ويصير ورود هذه