عبد الله الأنصاري الهروي
136
منازل السائرين ( شرح القاساني )
--> في أثناء الجدّ في السير أثر شوق والتفات يسير إلى اثر من آثار ما ينقطع ويجرّد عنه باق فيه يجبره إلى وراء ، مع قوّة باعث السّير ، فيحتاج إلى تقوية الباعث بقطع ذلك الأثر ويسمى ذلك عزما ، وهو الركن الثاني لقسم الأصول ، وهذان الركنان يقويهما أمران : فالقصد يقوّيه الإرادة الباعثة على الجدّ في السّير ، والعزم يقوّيه الأدب الذي يظهر الخوف بصورة القبض والرجاء بصورة البسط ويراعى التوسط بينهما ، فإنّ اجتلاء قرب المقصد ممّا يوجب بسطا في حظوظ الطالب من مطلوبه ، وذلك سبب شدّة إقدامه واستقبال حضرة المحبوب وهيبته يستلزم قبضا مقتضيا إحجامه وفتوره في السير والأدب بحفظ التوسّط بينهما ؛ فلذا يكون الأدب مقوّيا للعزم . فإذا صحّ عزمه ورقّت حجب خلقيّته وانقطعت آثار تلفّته إلى الأحكام الكونيّة الظلمانيّة الموجبة للجهل والتردّد حينئذ يظهر حكم الركن الثالث وهو اليقين من حيث رتبته الثانية التي هي عين اليقين ، الذي معناه السكون والاستقرار بالاستغناء عن الدليل باستجلاء العين بشهود الفعل الوحداني الساري في كل شيء وعن الخبر والإيمان به في جنح ليل الغيب بطلوع نجم شهود عينه ، أي عين الفعل ، فإنّ الرتبة الأولى من اليقين هو علم اليقين الذي معناه السكون والاطمئنان بما غاب ، بناء على قوّة دليله ، وهو متعلّق بمرتبة الإسلام ومبادئ المرتبة الإيمانيّة المرتبطة بحالة الحجاب بالكليّة ؛ وأمّا رتبة حقّ اليقين فمتعلّقة بإسفار فجر التجلّيات الصفاتيّة أوّلا وطلوع شمس التجلّي الذاتيّ ثانيا في المرتبة الإحسانيّة ، ويدخل في هذا القسم الوسطانيّ من اليقين الأنس والذكر الباطني والإشارة إلى أنّ عين اليقين متعلّق بشهود التجلي الفعلي المتعلّق بالمظهر الكونيّ في قوله تعالى : ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ [ 102 / 7 ] فالرؤية لا تكون إلّا في مظهر . فإذا وصل السالك إلى هذا المقام تخلّص الروح أيضا عن جميع قيود الانحرافات والالتفاتات وظهرت أحكام وحدتها وآثار بساطتها متميّزة عن أحكام النفس وكثرة قواها وآلاتهما التدبيريّة مع زوال آثار الانحرافات عنها وظهور وحدة جمعيّتها وظهور أثر تجلّي وحدة الفعل الوحدانيّ المضاف إلى حضرة ربها فيها ، وانتفت آثار المغالبة الواقعة بين رتبة السرّ والروح والنفس وتميّزت أحكام كلّ مرتبة عن الأخرى ، فيصل