عبد الله الأنصاري الهروي
137
منازل السائرين ( شرح القاساني )
--> عند ذلك حكم « ولا يزال العبد يتقرب إلىّ بالنوافل » إلى أمده ، ويستقبل المتقرّب بموجب « ومن أتاني يمشي هرولة » آثار عنايته « حتى أحبّه » ، فيلقى السيّار حينئذ عصا تسياره وينتهي مقاساة شدائد كربة غربته واستاره ، وتتداركه تلك الآثار الحبّية ، فتنقله من مقام الكون والبون إلى حضرة الصّون والعون ، فيكون متحقّقا بحقيقة الفقر الذي هو الركن الرابع من قسم الأصول ، وهو الخلوّ الحقيقي عن جميع أحكام الغيريّة - حتى عن رؤية ذلك الخلوّ وعن نفى تلك الرؤية أيضا ، فإنّ اشتقاق الفقر لغة من « أرض قفراء » ، وهي التي لا نبات فيها ولا شيء أصلا - فهو من المقلوب . ولمّا كان نسبة الفاعلية إلى الروح الروحانيّة أقوى ، لشدّة ارتباطها بحضرة الوجوب بظهور أحكام وحدتها فيها ونسبة الانفعال إلى النفس الحيوانيّة أشد لقوّة ارتباطها بالحضرة الإمكانيّة بظهور أثر خصائصها التي هي الكثرة فيها ، وقد شاهد كلّ واحد من السرّ والروح والنفس تعلّق ظهور كماله الخصيص به بالآخر والميل إلى الكمال حكم ذاتيّ ظاهر في كلّ واحد منهما بحكم سراية المحبّة الأصليّة الذاتيّة فيها كلّها وبظهور حكمها والحالة هذه بحكم عناية « حتى أحبّه » كما ذكرنا فيها ، فحرّك ذلك الحكم الحبّي كلّ واحد منها نحو صاحبها ، فحنّت الروح الروحانيّة بأحكامها إلى النفس الإنسانيّة ، حنين الروح الراضي إلى زوجته الموافقة ، وحنّت النفس بأحكامها وقواها الأصليّة إلى الروح حنين الزوجة الراضية المرضية عن الزوج البارّ في حقّها ، ومال كلّ واحد منهما إلى صاحبه واجتمعا وامتزجا بكلّ ما تضمّن كلّ واحد منهما من الآثار الوحدانيّة الاعتداليّة امتزاجا آخر بطرز آخر ، فتولّد بحكم اجتماعهما عن مشيمة جمعيّة النفس ولد قلب حقيقيّ جامع بين أحكامهما وأحكام السرّ أيضا - ظهور ولد رشيد بارّ بوالديه - وصار هذا القلب الجامع التقيّ النقيّ عن أحكام الانحرافات ، مرآة ومجلى للتجليّ الوحدانيّ الصفاتيّ المتعيّن من حضرة من حضرات الاسم الظاهر ، الذي كانت النفس بقواها وآلاتها مظهر تمام جلائه واستجلائه ، فشمل حكم هذا التجلّي جميع قواه الظاهرة ، فانشقّ رابع أبطن سمعه وبصره ونطقه حتى ظهر له بذلك أنّ ما كان مضافا إليه قبل هذا الشهود - من هذه القوى والصفات في حال حجابيّته - إنما كان