عبد الله الأنصاري الهروي

131

منازل السائرين ( شرح القاساني )

--> أصلا ، أو ظهر النور الإيمانيّ من باطنه ثم رأى عينه ، ومظهريه الروحاني والنفساني ، مسجونين كلّهم في سجن التلبّس بالأحكام الطبيعيّة وآثار الحجب الظلمانيّة ، متشبّثين بأذيال الأسباب المتفرّقة في حصول لذّاتهم وشهواتهم الحيوانيّة ، فقال السرّ الرحمانيّ والفيض الربّانيّ مخاطبا لمظهريه ومنبّها لهما عن نومة الإعراض عن الأمر الحقيقيّ وعن الاستجابة للعزيز الجبّار وعن سنة الإقبال على الأمور الخياليّة السريعة الزوال والانتقال والاستدبار : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ 12 / 39 ] . فعند ذلك تنبّهت النفس الإنسانيّة بباطنها وباطن باطنها عن نومتها واستيقظت من سنة غفلتها وأحسّت بنقصانها بتضييع زمانها ، فقالت : يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ 39 / 56 ] وأحسّت أيضا لحجب متراكمة ظلمانيّة وقيود طبيعيّة محكمة إمكانيّة غالبة محتوية عليها ، منتشئة من أحكام عاداتها ومتابعة شهواتها ومراداتها وأحسّت أيضا حينئذ بأنّه وجب ولزم عليها بحكم هذا التنبّه والإحساس ثلاثة أمور مهمّة : أوّلها الأخذ في السير عن مقارّ أحكام عاداتها وملازمة طلب حظوظها وشهواتها ومراداتها الزايلة الفانية الطبيعيّة الحيوانيّة ، وذلك بملازمة الأمر والنهى في جميع حركاتها قولا وفعلا ، وهذا الأخذ في السير متعلّق بمقام الإسلام . وثانيها دخول النفس من حيث باطنها في الغربة بالانفصال عن مقرّها الحيوانيّة ومقام مألوفاتها الشهوانيّة ووطن ظهورها بصور كثراتها وانحرافاتها الجسمانيّة والشيطانيّة والاتّصال بحضرة باطنها وأحكام عدالته ووحدته من الأوصاف والأخلاق الملكيّة الروحانيّة ، وذلك متعلّق بمرتبة الإيمان . وثالثها حصول النفس من حيث سرّها على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد بطريق الفناء عن أحكام الحجب والقيود الطارئة عليها بالتنزّل والتلبّس بأحكام المراتب ونفض غبار آثار خلقيّتها عن أذيال حقيقتها ، وذلك متعلّق بمقام الإحسان . أمّا المهمّ الأوّل - الذي هو الأخذ في السير - فمنقسم على ثلاثة أقسام ، كلّ قسم يتضمّن أمورا كليّة مهمّة مسماة بالمقامات ، لإقامة النفس في كلّ واحد منها لتحقيق ما هو تحت حيطتها المتناوبة ظهورها على النفس المسمّاة أحوالا لتحوّلها ، فإنّ النفس