ابن عطاء الله السكندري
24
ترتيب السلوك ( ويليها رسالة في أدب العلم / بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس للغماري )
ثم يعود العبد إلى حالته الأولى ، حتى كأنه يعود إلى ما كان عليه أولا بأضعاف لا تنحصر . ثم يرد عليه قهرا أعظم من الأول . ولا يزال مترددا بين هذه الأحوال ؛ الزيادة والترقي في كل نفس وفي كل لحظة ؛ حتى يرد عليه قهرا عظيما بعد أن أتت عليه سنون . فإذا عاد بعد هذا إلى الفناء ، وانقطع عنه ذكر اللسان ، فلا يحكم العبد من نفسه شيئا ، ولا من سمعه ولا بصره إلا شيئا ضعيفا . ثم يصير ذكره إلى القلب حتى ينتهي إلى أن يفرّ بنفسه خيفة مما يسمع ، لأنه يتوهم أنه يسمعه كل من جالسه أو قاربه . فصل ابتداء الذكر في الجوارح ، وهو أن يجد حركة في جوارحه حتى لا يبقى جزء من جسده إلا ويجد فيه حركات . ثم تتقوى تلك الحركات ، وتلك الاختلاجات ، حتى تصير أصواتا ، لا من لسانه ، فإن اللسان ينطق في هذه الأحوال . والعبد ملازم بهمّته ، يتيقن أنه لا مطلب . علم هذه الأذكار ، ولاحظها ، بقي معها ، فهو لا ينظر إليها حتى يترقّى عنها إلى غيرها . وهذا بعد أن وقع الذكر على القلب ، وأما في حال ذكر اللسان ، فتكون هذه الحركات ، وهذه الاختلاجات ، للجوارح ، ولكن لا بهذه القلوب . فصل في أحوال القلب ، يظهر للعبد شيء ، ويجد الحلاوة في « 1 » فيه وحلقه « 2 » ، حتى لا يبقى لغيره من الأطعمة لذة ، ويجد منفع ذلك الشراب من أصول أسنانه ، وهو « 3 » أحلى من العسل . وتبقى أسنانه مشدودة حتى يشقّ عليه أن يفتح فاه ، فيجد لذة لهذا الشراب في فيه ، على هذا الوصف . وفي حال هذا الشراب يقرب العبد من الموت ؛ حتى إنه يذوب ، يكاد يموت ، ولا يخاف في هذه الحالة إلا من الموت ، حتى إنه إذا بلغ العبد إلى هذه المرتبة
--> ( 1 ) ( في ) ساقطة من ب . ( 2 ) ب : خلقه . ( 3 ) ب : فهو .