ابن عطاء الله السكندري

25

ترتيب السلوك ( ويليها رسالة في أدب العلم / بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس للغماري )

يهرب ألف رجل ممن سلك هذا الطريق من هذه اللذة . ولا يهرب منهم واحد من الألم الذي يجد في غير هذا المقام ، لأن غير هذه اللذة « 1 » أصعب وأقرب إلى الموت ، لأن العبد يذوب فيه ويتلاشى ، وكأنه ينعدم ، حتى يبلغ العبد في هذه الحالة أن صحبته هذه ، ولم تسقط عنه ، إلى أن يهرب من الحلاوة ، لأنه إذا خلا ساعة ، تستولي عليه هذه الأمور ، حتى تقرّبه إلى الموت . فكما أن المبتدىء يهرب من الخلق ، ويؤثر الحقّ ، فإذا بلغ العبد إلى هذا المقام ، صار يستعيذ من هذه الحال ، مع أن قلبه مائل إليه ، لما فيه من اللذة ، وما يجده من الحلاوة في هذه اللذة ، تتقوى به معرفته ، وتنحدّ بصيرته ، حتى كأنه يسمع وقع أقدام النعل . وفي بدايته يتمنى ألا ينام ، وفي هذه الحالة يجد للمنام راحة عظيمة ، ويطيب له . وعلامة صحة هذه اللذة أن العبد لا يأخذه النوم ما دام في هذه الحالة ولو بقي سنين ، حتى يضعف وجود هذه الحال عنده . وحينئذ ينام ويجد المنام سبيلا إليه . فصل لأهل النهاية مسألة : وهي أنه يردهم خطاب لا يشكّون أنه من الحق ، وتكون مخاطبة باللفظ والمناجاة ، فيجيبه السّر ، والعبد يسمع من السّر الجواب ، ومن الحقّ الخطاب . ومدة ينقهر السر تحت الهيبة ، فلا يستطيع كلاما . ثم يجد مدة كلاما ، ويزعم أن هذا الكلام من نفسه ، أو أنه منه ، وليس للعبد فيه شيء . ويعلم العبد بمعرفته كأنه يرى في المنام أنه هو الحق . ولا يشك في ذلك « 2 » الكلام أنه كلام الحق . فإن غاية هذه المعرفة أن يقع التمييز في هذا المقام ، وهذا المقام يقال له : « جمع الجمع » ، ولهذا قال قائلهم : « أنا الحق » « 3 » ، وقال الآخر : « سبحاني » « 4 » ، ولم يقل ذلك إلا الحق ، واضمحل الرسم ، وبقي الجسم .

--> ( 1 ) ب : اللذات . ( 2 ) ب : هذا . ( 3 ) قال الحلاج : هذه العبارة في كتاب « الطواسين » ( انظر طاسين الأزل والالتباس ، ص 104 ) ، وممّن نسبها إلى الحلاج أبو المظفر الإسفراييني ( انظر التبصير في الدين : ص 119 ) ، عبد القاهر البغدادي ( انظر الفرق بين الفرق : ص 262 ) ، والجامي ( انظر نفحات الأنس : ص 525 ) . ( 4 ) نسبها السراج الطوسي لأبي يزيد البسطامي ( انظر اللمع : ص 333 ) ، كما نسبها إليه السيوطي في رسالته « تنزيه الاعتقاد عن الحلول والاتحاد » ( انظر الحاوي للفتاوي : 2 / 310 ) .