ابن عطاء الله السكندري
23
ترتيب السلوك ( ويليها رسالة في أدب العلم / بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس للغماري )
النهاية كان يرى جملة الكون بنور كان له ، لا يخفى من الكون عليه شيء ، و « 1 » يرى جملة الكون من السماء إلى الأرض رؤية عيان « 2 » ، ولكن بقلبه ، وليس رؤية العلم ، بل مشاهدة واطلاع ، حتى لا يخفى عليه في الكون ذرة فما دونها ، كان أكبر أم أصغر . فصل إذا تحقق الذاكر في ذكر اللسان ، وقع ذكر اللسان في قلبه ، حتى يعود القلب ذاكرا . فإذا عاد القلب ذاكرا وردت عليه حينئذ « 3 » أحوال يجدها من نفسه ، بل يسمع في قلبه للّه تعالى أسماء وأذكارا « 4 » لم يسمعها قط ، ولا قرأها في كتاب ، بعبارات مختلفة ، وألسنة متباينة ، لم يسمعها ملك ولا آدمي . فإن لازم ما هو عليه ، ولم يقف مع هذه الواردات ، نال المريد حتى ينتهي إلى أن يسمع المريد ذكر البرّ ، وإن التفت إلى ما يجري عليه من هذه الأحوال ، ولاحظ هذه الأذكار ، واشتغل بها ، فقد أساء الأدب ، فيعاقب في الوقت ، وعقوبته انقطاع المريد . ثم إن أمعن في الملاحظة ، فيردّ إلى حال العلم بعد اليقين ، وترد عليه علوم حتى يظن أنه قد فتح عليه . فإن وقف مع ما يرد عليه من العلوم عوقب بالرجوع إلى حال الفهم . والفرق بين حال العلم والفهم ، أن للعلم وجودا « 5 » يرد على قلبه من حيث العلم ، والفهم نظر إلى ذلك العلم كأنه يفهم . فإن كان له علم في تلك المسائل يحجب عن إدراك حقيقتها . فإن وقف مع الفهم عوقب بأن يردّ إلى حال من الغفلة . فصل إذا ذكر العبد بلسانه تتقوى همّته في الذكر ، حتى يذكره بلسانه مواظبا « 6 » عليه ، حريصا عليه ، وراغبا فيه ، حتى لا يبقى منه جزء إلا وهو في ذكر اللسان . فإذا نظر قلبه إلى أن ترد عليه أحوال ، يتوهم العبد أنه يزيد أو يكبر ، إلى أن يصير أكبر من كل شيء . ثم يرد عليه من الحق نور على . . . « 7 » يمنعه من أن يذهب .
--> ( 1 ) ( الواو ) ساقطة من أ . ( 2 ) أب : أعيان ، وفي النسختين كتب فوق هذه الكلمة لفظة « كذا » . ( 3 ) ( حينئذ ) ساقطة من ب . ( 4 ) ب : أذكار . ( 5 ) ( وجودا ) ساقطة من ب . ( 6 ) ب : مواضبا . ( 7 ) بياض في النسختين بقدر كلمتين ، وقد كتب فوقه لفظة « كذا » فيهما .