ابن عطاء الله السكندري
22
ترتيب السلوك ( ويليها رسالة في أدب العلم / بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس للغماري )
ويتفكر فيه . وإن استطاع ألا ينزعنّه « 1 » لحظة ، ولا يشغله عنه شاغل ، ولا أمر من الأمور ، وإن كان موت والدته ، فليفعل . ولا يفعل شيئا من الطاعات إلا الفرائض ، والسنن ، وركعتي الفجر ، وركعتين بعد كل وضوء ، ثم يشتغل بالذكر حتى يغيب في الذكر عن جميع الأشياء بتوفيق اللّه ، ويغيب بالذكر عن نفسه ، ثم يغيب عن الذكر بالذكر في الذكر . فمرّة يغيب عن الذكر ، ومرة يحضر الذكر . ثم لا يزال يترقى في كل غيبة أو حضور إلى مرتبة غير التي هو فيها ، ثم يرد على قلبه وارد أعلى من هذا ، فيفنى العبد عن الذكر وعن هذه الأحوال . فإذا ردّ العبد إلى حال الفناء سلب عنه لسانه وسمعه وبصره ، إلا مشاهدة القلب لعالم الحق . ولا يمكنه أن يقول باللسان نطقا ولا علما ، بل كما كان ينطق بلسانه يعود نطقه بقلبه ، ثم يذكر بقلبه ما شاء اللّه تعالى ، حتى يرد عليه وارد آخر أعلى من ذلك من حيث الهيبة « 2 » ، فيرد عليه وارد من الهيبة ، فيظن أنه قريب من الحق ، فيفنى العبد فيه حتى ينتهي إلى أذكار لم يجدها من قلبه ، ولم يعهدها من نفسه ، بألسنة مختلفة ، وعبارات لم يسمعها قط ، ولا خطرت على باله . يجد ذلك كله من قلبه ، ويظن ، ويتوهم أن جملة الكون يذكر اللّه تعالى بعبارات مختلفة في بعض الأحيان ، ويصير إلى مقام بحيث لا يميز بين ذكره الذي يبدو منه ، وذكر الكون من غلبة الذكر عليه . ويسمع جميع هذه الأذكار ، ثم يرد عليه وارد آخر ، بحيث لو ذاق هذا الوارد من سلك الطريق على سبيل الوهلة « 3 » لمات من وجود هيبة اللّه تعالى وعظمته ، حتى يفنى هذا العبد ، ولا يبقى منه شيء ، ثم يردّ إلى حال الفناء ، فيسلب عنه أحوال القلب من المشاهدة وغيرها ، فيبدو السرّ سرّ القلب ، فلم يبق شيء ، وليس إلا اللّه . فيصير كالبحر ، ويكون الأنهار تحكمه ، فلا يكون لغير اللّه تعالى حكم ، ولا يكون للعبد بعد هذا حركة ، وقد كان يتجرد قبل هذا الوارد لوارد يرد عليه . فالآن إن تحرك البحر الذي هو فيه تحرك بحركته « 4 » ، وإن سكن ؛ سكن العبد ، فبه يسمع ويبصر ، ليس للبشرية سلطان ، ولا يخال لها وجود البتّة . وإنما سلطان هذا الباري سبحانه وتعالى . ثم في بعض الأحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو
--> ( 1 ) ب : يفرعنه . ( 2 ) أ : المعية . ( 3 ) أ : للوهلة . ( 4 ) أ : بحركة .