ابن عطاء الله السكندري

104

ترتيب السلوك ( ويليها رسالة في أدب العلم / بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس للغماري )

فيا عجبا كيف يصدّق ذو عقل هذا النقل المفضي إلى الكفر في حق أفضل الصحابة . فإن الإجماع منعقد على أن أبا بكر الصديق أفضل خلق اللّه بعد رسول اللّه ، وعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - رابع الخلفاء الذين انعقد الإجماع أيضا على أنهم أفضل « 1 » الصحابة أجمعين ، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وإليهم الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ، عضّوا عليها بالنواجذ » « 2 » . فانظر في سرّ قوله عليه الصلاة والسلام : « عليكم » ، ولفظة « عليكم » تقتضي الوجوب ، وفي قوله : « الخلفاء » ، فسماهم « خلفاء » ، واستخلفهم على ما جاء به لخلق اللّه عن اللّه ، وهو الوحي ، وفي قوله : « راشدين » ، أي هادين ، والراشد : الهادي ، ومنه المرشد . وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام ، أخبر في حياته بمستخلفين من بعده ، وشهد لهم بالكمال التام ، وحلّاهم بحلى الكرام . فأما « الحلى » فقوله عليه الصلاة والسلام : « الخلفاء الراشدين » ، فحلّاهم بالخلافة والرشد ، وذلك شهادة منه لهم ، فطوبى لهم ، ثم انظر ما يندرج تحت الخلافة والرشد من معاني الكمال التام . وأما شهادته لهم بالكمال التام ؛ فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : « وسنة الخلفاء الراشدين » ، فنسب إليهم السنة ، لعلمه أنهم يسنّون من بعده سننا مبنيّة مؤسّسة على ما علّمهم وأدّبهم به من العلوم التي جاء بها من ربه تعالى . فهذا غاية الشرف في هذه النسبة ، وغاية الكمال ، لأنه أنزلهم منزلته في كل الأمور ، ومن ذلك ما روي أنه عليه الصلاة والسلام صعد على جبل أحد يوما ، فاهتز الجبل ، وقال له عليه الصلاة والسلام : « اسكن أحد ! فإنما عليك نبي وصدّيق

--> ( 1 ) خ : الخلفاء المجمع على أفضليتهم ( وهنا يبدأ النقص الثالث الحاصل في « خ » ، حيث قال الناسخ : « إلى أن قال أيضا » ) . ( 2 ) رواه أبو داود في سننه ، والترمذي في جامعه وصحّحه ، وابن ماجة من حديث العرباض ابن سارية ( انظر المغني : الشطر الثاني من كتاب الفقر والزهد ، 4 / 248 ) ، ورواه - مع اختلاف في بعض اللفظ - أبو شامة في « الباعث على إنكار البدع والحوادث » ( انظر الصفحة 14 ) ، وقال فيه ابن عبد البر : « روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بإسناد صحيح » ( جامع بيان العلم وفضله : 2 / 90 ) .