ابن عطاء الله السكندري

84

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

توجه القصد إلى تطهيرهم من مفاسدهم . وقد كانوا في الجاهلية منهم من يقتل البنات خشية الفقر ، وليوفر ما ينفق عليهم لينفق على نفسه وبيته وبنيه ، ويرى النفقة عليهن ضائعة ، لأنه لا ينتظر منهن سعيا للكسب ولا نصرة على العدو ، وهذه هي الموءودة المذكورة في قوله تعالى : وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ( 9 ) [ التكوير : 8 - 9 ] . فضلاء أحيوا الموءودة : على أنه قد كان من ساداتهم من يحيى الموءودة فيشتريها من عند أبيها ، وينجيها من القتل : كزيد بن نفيل القرشي ، أبي سعيد بن زيد ، أحد المبشرين بالجنة رضى اللّه عنهم ، وصعصعة بن ناجية التيمي الصحابي جد الفرزدق الشاعر المشهور . وقد كان قتل البنات شائعا فيهم مستفيضا في قبائل معدودة . ومنهم - كما في ( لسان العرب ) - من كان يئد البنين عند المجاعة ، فجاء النهى عن القتل في الآية متعلقا بلفظ الولد شاملا للبنات والبنين ، ومعه السبب الذي كان يحملهم على القتل ، وهو خشية الإملاق ، أي : خوف الفقر والإقتار . ( والمملق ) : هو الذي خرج ماله من يده فلم يبق بها شئ ، ومن مادته : ( الملقة ) وهي الصفاة الملساء ، فنهوا عن هذا القتل الفظيع مع ذكر سببه ، لتصوير حالتهم بوجه تام ، وليتخلص من ذكر السبب إلى إبطاله ورده . 2 - معالجة هذه الرذيلة بإبطال سببها ، وعظيم قبحها ، وسوء عاقبتها : أبطل اللّه تعالى خوفهم من الفقر بقوله : نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ، فأخبر أن رزق الجميع عليه ، وأنه متكفل برزق خلقه بما يسر لهم من أسباب جلية أو خفية ، لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى ، الكبير والصغير . كما أنه تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، كما في الآية السابقة ، فهما مرتبطان بهذه المناسبة . ومن ضلالهم : أنهم نظروا إلى قوة الكبير فحسبوه مرزوقا من نفسه ، فهداهم بقوله : وإيّاكم إلى أن الكبار مرزوقون من اللّه بتقديره وتيسيره . ولما كان لا فرق بين الكبير والصغير في الحاجة إلى لطف اللّه ، وضمان الرزق من اللّه ، فلا وجه لخوف الفقر من وجود الأولاد وكثرتهم ، لأنه ما من واحد منهم إلا ورزقه مضمون من خالقه جل جلاله .