ابن عطاء الله السكندري
85
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
وبين تعالى فظاعة هذا القتل بقوله : أولدكم ، بإضافة الأولاد إليهم ، فإن الأولاد أفلاذ الأكباد ، وقطعة من لحم المرء ودمه ، ونسخة من ذاته ، فمحبتهم فطرة ، والعطف التام عليهم خلقة ، فيكف يكون قبح وفظاعة فعل من بلغ بهم القتل ! ؟ وأي خير يرجى من قاتل ولده لغيره من الناس ، بعد ما جنى أفظع الجنايات على ألصق الناس به ؟ ؟ ! وبين تعالى سوء العاقبة لهذا القتل بقوله : إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ، أي : إثما كبيرا لما فيه من قتل النفس ، وقطع النسل ، وهلاك الجنس ، وخراب العمران ، وسوء الظن باللّه ، وعدم خشيته ، وعدم الشفقة على خلقه . يقال : خطئ يخطأ خطئا ، إذا قصد الفعل القبيح ففعله ، وأخطأ يخطئ خطئا ، إذا قصد شيئا فأصاب غيره . ومن مثل وعيد الآية ما ثبت في ( الصحيح ) عن ابن مسعود رضى اللّه عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل للّه ندا وهو خالقك ، قال : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك « 1 » . عموم حكم الآية وترغيبها : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والحكم يعم بعموم اللفظ ، كما أن ذكر سبب القتل في الآية لا يقتضى التخصيص ، لأنه ذكر لتصوير الحال الذي كانوا عليه ، فالقتل حرام لأي سبب كان . فعل الجاهلية باق : وهذا الفعل الذي كان في الجاهلية على الوجه المتقدم - وهو فعل مود إلى قطع النسل وخراب العمران - لا تسلم منه الأمم الأخرى في مختلف الأزمنة والبلدان : إما بالقتل بعد الولادة . وإما بإفساد الحمل بعد التخليق ، وهو حرام باتفاق . وقد يكون الامتناع من التزوج . أو بعد الإنزال في الفرج وهو العزل . والآية كما نهت عن القتل ، قد رغبت في النسل بذكر ضمان الرزق . فعلى المؤمن أن يسعى لذلك من طريقه المشروع ، وأن يتلقى ما يعطيه اللّه من نسل ؛ ابن أو بنت ، بفرح ، لنعمة اللّه وثقة بزرق اللّه ، وإيمان بوعده .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 8 / 492 ) ، ومسلم ( 1 / 91 ) .