ابن عطاء الله السكندري

64

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

لما قدمناه من لزوم أن يتطابق على الإحسان إليهما الظاهر والباطن ، ليتم البرور . وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) برهما بالدعاء : مهما اجتهد الولد في الإحسان إلى أبويه فإنه لا يجازى سابق إحسانهما بأن يتوجه بسؤال الرحمة لهما من اللّه تعالى ، وهي النعمة الشاملة الخير الدنيا والآخرة إظهارا لشدة رحمته لهما ، ورغبة في وصول الخير العظيم من المولى الكريم إليهما ، واعترافا بعجزه عن مجازاتهما ، يدعو لهما هكذا في حياتهما ، وبعد مماتهما . أما في حياتهما فيدعو لهما بالرحمة سواء كانا مسلمين أم كافرين . ورحمة الكافرين بهدايتهما إلى الإسلام . وأما بعد الموت فلا يسأل الرحمة لهما إلا إذا ماتا مسلمين ، لقوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 113 ) [ التوبة : 113 ] . ( والكاف ) في قوله تعالى : كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ( 24 ) للتعليل ، أي : رب ارحمهما لتربيتهما لي ، وجزاء على إحسانهما إلى في حالة الصغر ، حالة الضعف والافتقار . وفي هذا الاعتراف بالجميل ، وإعلان لسابق إحسانهما العظيم ، وتوسل إلى اللّه تعالى في قبول دعائه لهما بما قدما من عمل ، لأنه وعد أنه يجزى العاملين ، وقد كانت تربيتهما لولدهما من أجل مظاهر الرحمة ، وهو قد أخبر تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم : ( أنه يرحم الراحمين ) « 1 » ، ولا أرحم - بعده تعالى - من الوالدين . خاتمة : من بر الوالدين : 1 - أن نتحفظ من كل ما يجلب لهما سوءا من غيرنا ، فإن فاعل السبب فاعل للمسبب ، ومن هذا أن لا نسب الناس حتى لا يسبوا والدينا ، لأنا إذا سببنا الناس فسبوهما كنا قد سببناهما ، وسبهما من أكبر الكبائر : ففي ( الصحيح ) عن عبد اللّه بن عمرو رضى اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ( إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل : يا رسول اللّه : وكيف يلعن الرجل والديه ؟ قال : يسب أبا الرجل ، فيسب أباه ، ويسب أمه ، فيسب أمه ) . « 2 » برهما بعد موتهما :

--> ( 1 ) هو الحديث المسلسل بالأولوية رواه أبو داود ( 4941 ) ، والترمذي ( 1989 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 16 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3 / 338 ) ، ومسلم ( 90 ) .