ابن عطاء الله السكندري

58

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

3 - بر الوالدين وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ( 23 ) [ الإسراء : 23 ، 24 ] . تمهيد : لطائف في سبب الربط والإحسان : اللّه هو الخالق ، والوالدان - بوضع اللّه - هما السبب المباشر في التخليق . واللّه هو المبتدئ بالنعم عن غير عمل سابق ، وهما يبتدئان بالإحسان عن غير إحسان تقدم . واللّه يرحم ويلطف ، وهو الغنى عن مخلوقاته ، وهم الفقراء إليه ، وهما يكنفان بالرحمة واللطف الولد ، وهما في غنى عنه ، وهو في افتقار إليهما . واللّه يوالى إحسانه ولا يطلب الجزاء ، وهما يبالغان في الإحسان دون تحصيل الجزاء . فلهذه الحالة التي خصهما اللّه بها ، وأعانهما بالفطرة عليها ، قرن ذكرهما بذكره ، فلما أمر بعبادته أمر بالإحسان إليهما في هذه الآية ، وفي قوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً ( 36 ) [ النساء : 36 ] ولما أمر بشكره أمر بشكرهما فقال تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) [ لقمان : 14 ] وفي هذا الجمع في القضاء والحكم بالإحسان والأمر بالشكر لهما مع اللّه تعالى أبلغ التأكيد وأعظم الترغيب . ثم زاد هذا الحكم وهذا الأمر تقريرا بلفظ التوصية بهما في قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) [ العنكبوت : 8 ] ، ليحفظ حكم اللّه وأمره فيهما ، ولا يضيع شئ من حقوقهما ، فكان حقهما بهذه الوصاية ، أمانة خاصة ،