ابن عطاء الله السكندري

59

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

ووديعة من اللّه عظيمة عند ولدهما ، وكفى بهذا داعيا إلى العناية بهذه الأمانة وحفظها وصيانتها . وكما جاء هذا الجمع في باب الأمر في القرآن ، كذلك جاء في الجمع بينهما في باب النهى وكبر المعصية في السنة : ففي ( الصحيح ) عن أبي بكرة رضى اللّه عنه : قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ( ألا أخبركم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول اللّه . قال : الإشراك باللّه وعقوق الوالدين ) « 1 » . الإحسان : وتقدير نظم الآية هكذا : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ( 23 ) فحذف ( أن تحسنوا ) لوجود ما يدل عليه وهو ( إحسانا ) ، وفي تنكيره إفادة للتعظيم ، فهو إحسان عظيم في القول والفعل والحال ، وتقول : أحسنت إليه ، و : أحسنت به ، وأحسنت به أبلغ ، لتضمن ( أحسنت ) معنى لطفت ، ولما في الباء من معنى اللصوق ، ولهذا عدى في الآية بالباء ليفيد الأمر باللطف في الإحسان والمبالغة في تمام اتصاله بهما ، فلا يريان ولا يسمعان ولا يجدان من ولدهما إلا إحسانا ، ولا يشعران في قلوبهما منه إلا بالإحسان . لطيفة أخرى : ومن الإحسان ما يكون ابتداء وفضلا ، ومنه ما يكون جزاء وشكرا ، فعليه أن يعلم أن كل إحسانه هو شكر لهما على سابق إحسانهما ، الذي لا يمكنه أن يكافئه لثبوت فضيلة سبقه . وفي تعليق الحكم - وهو الأمر بالإحسان - بلفظ الوالدين المشتق من الولادة ، إيذان بعليتها في الحكم ، فيستحقان الإحسان بالوالدية ، سواء أكانا مؤمنين أم كافرين ، بارين أو فاجرين ، محسنين إليه أو مسيئين . وقد جاء هذا صريحا في قوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) [ العنكبوت : 8 ] ، فأمر بمصاحبتهما بالمعروف على كفرهما .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2229 ، 2314 ) ، ( 6 / 2457 ، 2519 ) ، ومسلم ( 1 / 92 ، 91 ) ، وانظر : بر الوالدين لأبى بكر الطرطوشى - بتحقيقنا - طبع العلمية بيروت .