ابن عطاء الله السكندري

140

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

المتنطعون « 1 » وإن نقل هذا عن معتبر فالظن به أنه كره رؤية الظالم أو مقاربته فجعل هذا وسيلة إلى انقطاعه عنه . وكذلك أيضا ترك الشرب من الأنهار التي حفرها الولاة وإن كان في أموالهم أشياء ظلموا بها فلا يتحقق عندنا في ذلك كراهة ولا نهى ، فإن هذا لا يتعرض للماء مطلقا إلا أن يقدر أن الحافر لا مال عنده وحق أرباب الأموال متعلق الماء إذا تبرع من أحاط الدين بماله لا يصح فلخوف هذا التعلق تورع المحققون ، أما إذا وقع / ص 37 / القطع بأنه لا يتعلق لأحد من الخلق حق بالماء فلا كراهة في شربه قطعا ، وهذه دقيقة يجب التنبيه لها ، وهي أن المعصية قد يتطرق إلى المال بسببها حق للغير أوشك في ذلك أو وقع القطع بأنها أجنبية عن المال وتحقق حق المالك بغير إشكال فالقسم الأول والثاني ورع الناس ، والثالث من باب الوسواس ، ويجب تنزيل ما نقل عن المعتبرين على الوجه الأول وأعلى من ذلك قليلا أكل شاة رعت زرع الغير وهذا أيضا قد يتوهم أن اللحم الثابت عن مال الغير كمال الغير وليس كذلك بل لاحق لرب الزرع في اللحم مطلقا وإنما يكون حقه متعلقا بذمة المالك في بعض الأحوال على تقدير أن يكون منه تسليط أو تفريط وإذا كان كذلك لم يمتنع الشراء من اللحم ولا شراء الشاة ولا يكره ذلك . فأما التبرع به فيرجع إلى أصل آخر وهو تبرع من عليه دين هل يصح أو لا يصح والأصح التفصيل هل أحاط الدين بماله أو ماله متسع لما في ذمته فإن أحاط الدين بالمال امتنع الانتفاع وبطل التبرع ، وإن كان في ماله اتساع لم يكره واحد من الأمرين وإن حصل إشكال والتباس صح الورع من الناس وإن لم يوجد من المالك تفريط ولا تسليط فلا حق لرب الزرع لا في عين الشاة ولا في ذمة المالك وقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ( جرح العجماء جبار ) « 2 » وما عدا هذا التفصيل والتقسيم غلو في الدين وخروج عن ما تقتضيه أدلة الشريعة وتصرف بمحض الأوهام لا بمقتضى العلم ولو وقع التنبيه لمعرفة حقيقة الأحكام وأنها ليست صفات للأعيان وإنما ترجع إلى خطاب / ص 38 / الشارع وأنه لا يطيع إلا من فعل مأمورا به أو ترك منهيا عنه لبحثوا عن أدلة الطلب والزجر وقطعوا نظرهم عن صور الأطعمة وغيرها من الأموال حتى يظن الظان أن ملك الغير يمتنع التصرف فيه بغير إذنه على الإطلاق ويغفل عن الأكل حالة الاحتياج بغير رضى المالك بل بتسليط المحتاج على قتال رب المال إن منعه وقت اضطراره ، وكذلك قضى الشرع

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 4 / 2055 ) . وأبو داود ( 4 / 201 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 386 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 2 / 545 ) ، ( 6 / 2533 ) ، ومسلم ( 3 / 1324 ) .