ابن عطاء الله السكندري
139
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
ليفتقر إلى وازع رادع ، وإذا ظهر تفاوت في إفضاء الأسباب إلى المحذور امتنع اعتبار بعضها ببعض « 1 » وأما مثال اللواحق فكل تصرف لم يختل شيء من أركانه وشروطه ولا ورد نهى عنه ولكن ترتبط به معصية في حق تجدد ملكه وذلك بمثابة شراء الثياب الرفيعة لمن يعجب بها أو يتكبر ، وكذلك أيضا أمر البنيان وشراء الديار والدواب وغير ذلك فإن العقود صحيحة والأملاك مستقرة والانتفاع حلال والمعجب والمتكبر عاص بإعجابه وكبره والمنكف مثاب من جهة قصده إلى ترك المعصية لا من جهة ترك الشراء أو فعله ، وكذلك البائع إذا امتنع من بيعه إشفاقا عليه ومنعا له من المعصية كان مأجورا على ذلك لا من جهة خصوصية البيع بل من جهة أخرى وهي الشفقة والصيانة ، وقد تردد العلماء في مسائل لترددهم في أن الشرع هل قصد الانكفاف عن العقود من جهة كونها عقودا كبيع العنب من الخمار وبيع الشاة ممن يذبحها للأصنام وكراء دابة يركبها إلى الكنيسة والظاهر المنع ، وقد قيل بالصحة ، ودليل المنع لعن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الخمر سبعة منهم عاصرها وحاملها والمحمولة إليه ولا يقع اللعن إلا على محرم ، وأيضا فقد ضايق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في أمر الخمر مضايقة شديدة / ص 36 / حتى منع تخليلها ، وأمر بكسر الظروف ونهى عن الخليطين « 2 » حذرا من سرعة الإسكار ، فدل ذلك على منعه من تعاطى أسبابها وبيعها ممن يعصرها من الإعانة عليها والتيسير لها . وأما المقدمات فقد امتنع قوم من حلال وصل على يدي ظالم عصى اللّه تعالى بالقذف والزنا والسرقة وذهب قوم إلى اجتنابه إن كان الظلم من جهة اغتذائه بالمال الحرام واعتقدوا أن المال الحرام منه كانت القوة وبها قدر على نقل الطعام وذلك عندنا لا يصح والملك حاصل قطعا والحل محقق ومعصية الحامل لا تتعلق بالمحمول وكون القوة نشأت عن الحرام كلام لا يتحقق فإن تسمية الطعام حراما فيه تجوز ، فالحل والحرمة ليسا أوصافا للأعيان والملك وإنما المحرم التناول وهذه مزلة قدم ، وإنما يذهب إلى هذا الحثالة من الناس وهم المعتزلة ، وأهل التحقيق على خلاف ذلك وقد امتنع قوم من أكل طعام المغتاب وهذا عندنا من التنطع والغلو ، وقد قال اللّه تعالى : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ( 117 ) [ النساء : 117 ] . « 3 » وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هلك
--> ( 1 ) انظر : المدونة الكبرى ( 1 / 143 ) . ( 2 ) انظر : نيل الأوطار للشوكاني ( 8 / 209 ) . ( 3 ) [ النساء : 117 ] .