ابن عطاء الله السكندري
136
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
أنه غير داخل ويتصدى بينهما مسائل غامضة فالوجه في مثل هذا المكان الملتبس . والمحل الغامض إذا كان الناظر هو المتناول أن يميل إلى جانب الاحتياط وأن يدع ما يريبه إلى ما لا يريبه « 1 » والورع في مثل هذه الصورة حسن مطلوب ، وإنما المشكل أن يكون مفتيا فإنه إن بالغ في جانب / ص 30 / اشتراط العلم بتحقيق الفقر فربما ضر بالأخذ وإن تشوف إلى تحقيق جانب الغنى ربما أعطى من لا يستحق فطريقه إن التبس عليه الأمر أن ينبه السائل على طريق الاحتياط فإن أحب السائل سلوكه فقد احتاط أيضا وإن أصر على طلب ما يستحقه فإن ظن المجتهد شيئا أفتاه وإن التبس عليه الأمر توقف ورد الأمر إلى اللّه تعالى فإنه العالم بحقائق الأمور المطلع على حقيقة وجود السبب الذي يترتب الاستحقاق عليه . وكذلك ما يفرض للعلماء والقضاة والعمال من بيوت الأموال فيه التباس في مقدار المستحق بعد أن علم أصل الاستحقاق ولكن التبس القدر المستحق أو التبس تعيين المستحق وهذا مطرد في كل حكم نيط بصفة لم يوضع لفظ على ضبط تلك الصفة وهو كثير في الشريعة بمثابة كون الأفعال الكثيرة تناقض الصلاة ، وكون التفرقة الكثيرة عمدا تبطل الوضوء ، ومثل اختلاط الحرام المحصور بالحلال الكثير المحصور ، فهذه كلها مسائل مشكلة فكل محتوش بطرفين خفى بالإضافة إلى أجلاهما جلى بالإضافة إلى أخفاهما فالورع في مثل هذه الأمور اجتناب مواضع الاشتباه فهذا اشتباه نشأ من عدم ضبط صفات الاستحقاق فإذا لم يثبت ترجيح وجب التوقف إذ الأصل المنع ولم يثبت سبب الاستحقاق فهذه مراتب الشبهات وتفاوت درجاتها وتباين أحكامها . الفصل الرابع : في بيان وسواس بعض الناس في الورع وتلبيس إبليس على بعض الناس في اعتقادهم / ص 31 / ما ليس من الورع ورعا فنقول : قد ظن بعض الناس أن مثارات الشبهات أن تتصل بالسبب المحلل معصية إما في قرائنه وإما في لواحقه وإما في سوابقه وإما في عوضه وكانت من المعاصي التي لا توجب فساد العقد وإبطال السبب المحلل أو كانت تلك المعصية مما يوجب فسادا ولكن قد حكم الشرع بصحة الملك إما لفوات المبيع حسا كما إذا استؤجر إجارة فاسدة وفات العمل ووجب العوض فإنهم قالوا يكره الانتفاع بتلك الأجرة المقبوضة عوضا عن تلك المنافع المستهلكة وإما بتغير الأعيان مع بقائها عند من يرى أن تغير الأعيان يمنع من الرد ويوجب القيمة ، وإما لحوالة الأسواق في بعض المبيعات ، وإما بنقل المشترى شراء فاسدا من بلد إلى بلد وهذا الموضع
--> ( 1 ) عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . رواه البخاري ( 2 / 724 ) .