ابن عطاء الله السكندري
135
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
قطعا فينبغي لمن سلك مسلك الورع أن يتوقف عن الإقدام ولا يحكم بكراهة لكن بشرط أن لا يعتقد تعميم ذلك على الإطلاق فإن مالكا رحمه اللّه تعالى قد أباح أشياء كثيرة حرمها الشافعي وغيره ونص على نفى الكراهة فيها ، منها لعاب الكلب فإنه قال رحمه اللّه يؤكل صيده فكيف يكره لعابه وكذلك ما ولغ الكلب فيه من الطعام والشراب فهو حلال عنده لا كراهة فيه بوجه « 1 » . وكذلك ما شربت منه الجلالة من الشراب وكذلك بيع المكيل والموزون من غير الطعام قبل قبضه جائز مباح لا كراهة فيه ، وكذلك عقد النكاح من غير حضور الشهود ، وكذلك أكل كل ذي مخلب من الطير والظاهر عندي من جهة القياس الإعراض عن دليل الخصم إذا كان مرجوحا وباللّه التوفيق . القسم الثاني : أن تتعارض العلامات الدالة على الحل والحرمة بعد معرفة الأدلة كما إذا نهب متاع في وقت بحيث يندر وجود مثله إلا من المنهوب ويوجد بيد عدل فيدل ندوره على كونه منهوبا حراما وتدل عدالة الحائز على كونه حلالا ، فإن ظهر ترجيح اعتمد عليه وإن لم يظهر فهذا موضع نظر . وقد أوجب قوم / ص 29 / التوقف والظاهر عندي جواز الإقدام اعتمادا على تقديم الإمارة المعينة على غلبة الظن المتلقاة من الغلبة « 2 » . القسم الثالث : أن تلتبس الصفات التي بها يثبت الاستحقاق ويناط بها الأحكام مثاله أن يوصى بمال للفقهاء فيعلم أن الماهر داخل ، والمبتدئ بيوم أو بشهر لا يدخل وبينهما درجات لا تنحصر يقع الشك فيها فالمفتى يفتى بما غلب على ظنه وهذا غامض جدا من هذا القبيل رد شهادة الفاسق وقبول شهادة المتقى ، الولي المجانب لسائر المعاصي وبينهما درجات متفاوتة يعسر أن تضبط بحد أو تحصر بقيد . والضابط لما جاوز محل الإجماع أن يرد المجتهد إلى ما غلب على ظنه فهو الذي يكلف به فإنه لو كلفه بقدر معين لنصب له دليلا عليه كما نصب الأدلة على مقدار نصب الزكوات وما يجب فيه القطع من الأموال المسروقة ولم ينص على مقدار الكفايات للزوجات والقرابات في النفقات ونعلم أن الفقير الذي لا يجد شيئا يباح له الأخذ من الزكوات لتحقق الحاجة والعلم باندراجه تحت مقتضى الآية « 3 » ومن له مال كثير معلوم
--> ( 1 ) انظر : التمهيد ( 18 / 235 ، 267 ) ، وشرح النووي على مسلم ( 3 / 179 ، 182 ) ، واختلاف الحديث للشافعي ( ص 106 ، 110 ) والمحلى ( 6 / 80 ) ، والمغنى ( 1 / 32 ، 48 ) ، وبداية المجتهد ( 1 / 62 ، 63 ) ، ونيل الأوطار ( 1 / 63 ) . ( 2 ) انظر : إحياء علوم الدين ( 5 / 69 ) ، ( 3 ) في سورة التوبة رقم [ 60 ] .