ابن عطاء الله السكندري

134

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

سببا فلأجل هذا التفاوت أثبت أثر الشبه في إحدى المسألتين ولم يثبته في الأخرى والتنبيه لهذه الفروق غامض ولا يقف عليه إلا فحول العلماء . وقد اختلف العلماء فيما إذا زنا بامرأة وأتت ببنت هل يجوز للزاني وطئها فالمشهور من مذهب مالك رحمه اللّه المنع من ذلك ، وقال غيره وعبد الملك بالجواز وحجة مالك نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سودة عن الظهور لابن وليدة زمعة وإن كان أخاها ، وحجة غيره أنه لا يوارثها والأول أبين وسودة توارث ذلك الولد وإن كانت مأمورة بالاحتجاب منه فأمر الميراث لا يترتب عليه حل النظر وتحريمه هذا مع أن عندنا هناك وطئا مشروعا فما الحال إذا لم يكن هناك سوى الزنى ؟ ولذلك قال أصحابنا هذا شذوذ من القول وإعراض عن الأخبار بالكلية وليتنبه الناظر هاهنا لأصل حسن لا يكاد يصادفه إلا في مذهب مالك رحمه اللّه ، وهو أنه قد يرجح السبب بالإضافة إلى حكم ويضعفه بالإضافة إلى حكم آخر فيظن أن ذلك تناقض بل ذلك دليل على تمام الغوص وكمال النظر ، فهذا الحديث يدل على ذلك فإن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قضى بأنه أخوها وأنها تحتجب منه ، وما ذاك إلا نظر إلى تقابل الأسباب وترتيب كل حكم على شائبة ومن استقرأ مذهب مالك صادف من ذلك أمثله كثيرة منها نجوم الكتابة جعل لها فيما بينه وبين السيد حكم الغلة بالتعليق حتى جوز أن ينقله من ذهب إلى ورق ، ومن ورق إلى ذهب وأن يضع عنه ويتعجل إذ المكاتب رق ما بقي عليه درهم « 1 » وجعل لها فيما بينه وبين الأجنبي حكم الديون حتى لم يجوز بيع نجوم الكتابة إلا بما يجوز به بيع الديون وكذا وهذا كلام جرى معترضا وإنما أردنا به التنبيه على شرف هذا المذهب واتباع صاحبه للسنن فإذا كان الناظر من أهل الاجتهاد كان بصيرا بهذه الفروق الدقيقة والترجيحات الخفية وبقي في نفسه من الدليل المعارض حزازة وكان رأيه أن المصيب واحد وإسناد الورع إليه كان صوابا والوجه التوقف عن الإقدام دون القضاء بالكراهية عند ترجيح دليل الحل إذا بقيت في النفس حزازة وأما اعتقاد الكراهة بمعنى أنه نهى عن الإقدام تحقيقا من غير ذم على الفعل على ما هو حد المكروه فلا يصح ، وبيانه أنه إذا اختلف الأمة على قولين بالحل والحرمة وترجح عند مجتهد دليل الحل وحك في قلبه كلام الخصم فليس / ص 28 / إلا ظن حل أو إمكان حرمة فالكراهة خروج عن القولين وعدول عن الدليلين وإثبات حكم بلا مستند بل إن كانت الأمة قد أجمعت على ذلك كان المصير إلى القول بالكراهة خرقا للإجماع وكان الصائر إليه مخطئا

--> ( 1 ) انظر : الأم للشافعي ( 7 / 71 ) والمدونة الكبرى ( 7 / 235 ) ، وتلخيص الحبير ( 4 / 216 ) .