ابن عطاء الله السكندري
133
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
إن المصيب واحد فقد يصح منه الاحتياط في الترك عند بقاء حزازة في قلبه وهذا محل غامض وأمر ملتبس ولا يقدر صاحبه على الوفاء به فإنه لا يمكن الوفاء به على العموم ولا يقدر على ترك كل راجح قابله مرجوح احتياطا والفرق بين / ص 25 / راجح وأرجح عسير على أن هذا القائل معترف بأن اللّه شرع له ما غلب على ظنه وإن أمكن أن يكون الباطن غير ذلك فتقدير هذا على الخصم بالأدلة متعذر . وأما الإنسان فيما بينه وبين اللّه فيصح إذا وجد حزازة في النفس أن يتوقف فقد قال صلى الله عليه وسلم ( الإثم حزاز القلوب ) « 1 » ويتفاوت ذلك بتفاوت الأسباب العارضة وقوتها وضعفها فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حديث عبد بن زمعة وكانت القصة أن عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة منى فاقبضه إليك فلما وضعت قال عبد بن زمعة : هو أخي فتساوقا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال عبد بن زمعة : يا رسول اللّه أخي وابن وليدة أبى ولد على فراشه ، وقال سعد بن أبي وقاص : يا رسول اللّه ابن أخي عهد إلى فيه فنظر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فوجد شبها بيّنا بعتبة ثم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : ( الولد لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر ) ثم قال لسودة : ( احتجبى ) « 2 » لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقى اللّه . فهذا موضع تعارض أسباب فالفراش دليل والقيافة كانت عندهم مأخذا في التحاق الأنساب ولكن قوى الشرع أمر الفراش . فألحق الولد بزمعة وأمر سودة بالاحتجاب فهذا هو أصل في الورع وإن ظهر دليل آخر لكن الشرط في هذا الموضع أن تبقى في نفس المجتهد حزازة والوقوف على ذلك غامض والفرق بين / ص 26 / معارض ومعارض شديد ، والذي يدل على شدة هذا الغموض أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث العجلاني قال : ( إن جاءت به على كذا فما أراه قد كذب عليها وإن جاءت به على كذا ما أراه إلا قد صدق ) « 3 » فجاءت به على النعت المكروه ولم يثبت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للشبه في تلك المسألة أثرا : ولكن الفرق بين المسألتين أن وطء عتبة كان في الجاهلية وكانت الأسباب تلتحق به والوطء المدعى في مسألة عويمر في الإسلام وهو لا يصلح أن يكون
--> ( 1 ) رواه أحمد بن حنبل في الورع ( ص 43 ، 45 ، 49 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 2 / 724 ) ، ( 3 / 1007 ) ، ( 4 / 1565 ) ، ومسلم ( 2 / 1080 ، 1081 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 4 / 1771 ) ، والشافعي في مسنده ( ص 257 ) ، والطبراني في الكبير ( 6 / 114 ، 141 ) . وانظر : نيل الأوطار ( 6 / 301 ) ، وتفسير القرطبي ( 12 / 148 ) .