ابن عطاء الله السكندري
132
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
فإن قيل كون الماء طهورا هو الأصل فهو مستيقن ومن يسلم أن الأصل في الأموال الحل ؟ فنقول : الأموال التي لا تحرم لصفة فيها خلقها اللّه تعالى لانتفاع الخلق بها كما خلق اللّه الماء طهورا فالأصل ثبوت الملك لصاحب اليد حتى يثبت خلاف ذلك فاليد في الشرع دليل صحيح كالاستصحاب . المثار الثالث للشبهة تعارض الأدلة والأسباب أو التباس العلامات والصفات . « 1 » . القسم الأول : تعارض أدلة الشرع وهي كثيرة إما أن يتعارض نصان أو ظاهران من الكتاب أو السنة أو كتاب وسنة أو كتاب وقياس أو خبر وقياس وتفصيل أدلة الشريعة وبيان تفاوت درجاتها طويل والترجيح أيضا غامض وله شروط وتحقيق معرفة التعارض ومحله والعمل باستواء الدرجات وتفاوتها هو لباب الاجتهاد فإن ظهر ترجيح في جانب الحظر وجب الأخذ به وحرم الإقدام وإن ظهر ترجيح في جانب الإباحة وجب الأخذ به وجاز الإقدام ، هذا حكم المجتهد . وأما المقلد فلا يصح منه الترجيح بين الأدلة ولكن الواجب عليه أن ينظر نظرا كليا في عين من يقلده فمن ثبت عنده أنه أعلم أهل بلده يلزمه تقليده فيما يفتيه به ويعرف ذلك بالتتابع من أهل / ص 24 / المعرفة والممارسة واقتران القرائن كما يغلب على ظن العامي أي الطبيبين أعلم وإن كان لا يحسن الطب وهل يكون ذلك في حق العامي تمسكا بمحض ترجيح وهو مشكل فإن الترجيح إنما ينشأ من تفاوت الأدلة وليس العامي أهلا لذلك ويحتمل أن يقال ما يغلب على ظنه أن مقلده أعلم من غيره فهو دليل مثله ويصح أن يكتفى الشرع من شخص بنوع من الاستدلال وإن كان لا يكتفى من غيره بمثله فإن العبيد من الكعبة يصلى إلى جهة يظنها الكعبة بناء على الاجتهاد وإن كان المقيم بمكة لا يكتفى بذلك فهذه أدلة وضعية فالشرع وضعها كيف شاء ولا يتمكن العامي من غيرك ذلك فليس للمستفتى أن ينتقى من المذاهب أطيبها بل عليه أن يبحث حتى يغلب على ظنه الأعلم ثم يتبعه فلا يخالفه . وأما المجتهد إذا ترجح عند دليل الحظر فلا إشكال في وجوب الاجتناب وتحريم الإقدام وإن ترجح دليل الإباحة فهل للورع مدخل في الاجتناب أم لا ؟ أما إذا ابتنى الأمر على أن كل مجتهد مصيب فلا وجه للورع لأنه إذا كان أهلا للاجتهاد وبذل المجهود وصادف محلا مجتهدا فيه قطع بالحل فكيف يتصور الخوف من الإقدام مع القطع بالحل ؟ وأما من قال
--> ( 1 ) انظر : الفتح ( 1 / 127 ) ، والإحكام للآمدى ( 4 / 248 ) ، وتحفة الأحوذي ( 5 / 409 ) .