ابن عطاء الله السكندري

129

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 5 ) [ المائدة : 5 ] ولا يخفى أن أهل الكتاب لا يتوقون النجاسات ولا يعتبرون في التطهير الماء المطلق فأطعمتهم لا تنفك عن ذلك ولكن يلزم من اجتنابها حرج وضرر فيتمسك بالأصل لذلك . وأما الآثار فقد نقل عن أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو القدوة والأسوة أنهم كانوا يخوضون طين المطر ويصلون ولا يغسلونه « 1 » وكذلك نقل عن مالك رحمه اللّه أنهم كانوا يصلون فيما نسجه / ص 19 / أهل الذمة وقال : مضى الصالحون على ذلك وليس كذلك الصلاة فيما لبسوه لقلة الحاجة إلى ذلك . وأما المذهب فقد قال مالك رحمه اللّه : يكره سؤر النصراني في الماء دون الطعام واعتل بخفة إلقاء الماء ويسارة أمره ولو كان لا يرى غلب النجاسة لما كره فضله من الماء ولولا أن يكون التفت إلى الحاجة لما أباح سؤره من الطعام والشراب وكذلك قال رحمه اللّه : إن الدجاج والأوز المخلاة وهي الجلالة التي يغلب عليها مصادفة النجاسة وإن شربت من ماء أريق ، وإن شربت من لبن أو أكلت من طعام أكل ولم يثبت فيه كراهة ولم ير في تركه ورعا ، وفي هذا تنبيه على أصل عظيم وهو أنه لا تنبنى الأحكام على تجرد الخيال واختلاط الحلال بالحرام ولا بد من التنبيه للأدلة وإدراك افتراق المسائل ومعرفة نفس الشريعة في كل أصل وهذا لا يقدر عليه إلا سماسرة العلماء وليعلم الموفق أن أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هم أعلم خلق اللّه بالشريعة وأشدهم ورعا وما كانوا يضيقون كل هذا التضييق ولا يبنون أمورهم على الأوهام وقد قال عمرو بن العاص لصاحب الحوض : ( هل ترد حوضك السباع ؟ فقال عمر رضى اللّه عنه : لا تخبرنا يا صاحب الحوض فإنا نرد على السباع وترد علينا ) « 2 » . وقال في حديث آخر أنه احتلم فأقبل ينظر إلى ثوبه ويغسل ما رآه فقال له عمرو : قد أصبحت وعندنا ثياب فقال واها لك يا بن العاصي أفإن كنت تجد ثوبا أفكل الناس يجد ثوبا واللّه لو فعلتها لكانت سنة بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أره ولم ير عمر رضى اللّه عنه التورع عن ثوب أمكن أن تصادفه النجاسة ورأى أن النضج كاف في ذلك وقد يكون / ص 20 / غيره من الموسوسين يقول الصلاة في ثوب لم تصادفه جنابة أولى من

--> ( 1 ) انظر : نيل الأوطار للشوكاني ( 1 / 57 ) . ( 2 ) رواه مالك في الموطأ ( 1 / 46 ) ، وعبد الرزاق في المصنف ( 1 / 77 ) .