ابن عطاء الله السكندري
128
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
به ولا شربه هذا إذا غلب على الظن بعلامة متعلقة بعين الشيء فأما غلبة الظن الناشئة من / ص 17 / الكثرة فهل تنقل عن حكم الأصل ؟ فيه خلاف فمن الناس من يقدم الأصل لضعف الغلبة الناشئة من الكثرة ويقول : لسنا ننتقل عن الأصول بمجرد ميل النفس إلى الانتقال حتى يكمل السبب ويحتج بأنه لو شهد مستور أو عدل بأن لزيد عند عمرو مالا لظننا الصدق والانتقال عن الأصل ولا يحكم بالشغل بل يتمسك بالأصل فلزم من هذا تعيين الأسباب الناقلة عن الأصول ولا يقع الاكتفاء بمطلق غلبات الظنون وقال قائلون الغالب مقدم واستدلوا بأمرين : أحدهما كلى ، والآخر جزئي ، فأما الكلى فهو أنا إذا تعذر علينا أن نعلم استحقاق زيد مثلا لمال وكانت المسألة يكتفى فيها بغلبات الظنون فإنا إذا ظننا استحقاقه له أو براءته منه بعد تقدم شغل ذمته فلا وجه لتعطيل الحكم وقد ظن ثبوته والتمسك بالأصل لا يتحصل منه إلا شك في الحال وإن عرى عن المعارض ولكن صير إليه عند احتمال التغير للضرورة إذ لا يستطيع أحد إقامة الدليل على أن الشيء ملكه في الحال ولا على أن الزوجة باقية في ملكه حالة النزاع فاستصعب الأصول عند الشك لهذه الضرورة وليس كذلك إن ظن الانتقال . وأما الأمر الجزئي فالاعتبار بالعلامة المغلبة المتعلقة بالعين وتحرير القياس أصل ظننا الانتقال عنه فلا نتمسك به قياسا على الأمارة المختصة بالعين ويعتذر هؤلاء عن تلك المسائل بمنع الإجماع من الاكتفاء بالظن المطلق وإذا اقتضى القياس حكما عاما فمنع مانع من إجرائه في بعض الصور وجب / ص 18 / التمسك به في غير المانع فالصحيح عندنا التمسك بالغالب إلا في كل موضع يلزم من التمسك به حرج أو إضاعة مال محترم وبيان ذلك بالفقه والنقل . أما الفقه فما قررناه من أن الظن حاصل بالانتقال عن الأصل فضعف التمسك بالأصل عند ظن الانتقال عنه ولولا الإجماع المنعقد على التمسك بالأصول عند الشك في الانتقال لما اقتضى القياس ذلك فإنا نحكم في الحال من غير ظن ولا قطع ولكن قد بينا السر الذي لأجله اكتفى الشرع باستصحاب الأصول فإذا ظننا الانتقال فليس هذا موضع الإجماع والمستندات مفقودة ومقتضى هذا التقرير ألا يتمسك بالأصل مطلقا إلا أنا نقول قد بينا أن سبب التمسك بالأصل الضرورة ودعاء الحاجة على ما قدمناه فإذا اقتضت الضرورة التمسك بالأصل والإعراض عن الغالب فعلنا ذلك والدليل عليه كتاب اللّه تعالى وعمل الماضين من الصحابة والتابعين . أما الكتاب فقوله تعالى : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا