ابن عطاء الله السكندري

120

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) [ الكهف : 49 ] . وجاء عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في سؤال الملكين في القبر أنهما يسألان المؤمن عن إيمانه بربه وتصديقه نبيه « 1 » ولا يكون ذلك عذابا في حقه بل يكون فيه قوة عينه . وهذا أيضا يحقق أن مجرد السؤال والحساب لا يكون عذابا . الرابع : إن الدرجات في الدار الآخرة مترتبة على أمر الدنيا فإذا تحقق الاستواء في الطاعات تحقق الاستواء عند اللّه في الدرجات ولو صرنا إلى أن فاعل المباح يطول حسابه وتعظم مشقته وهو مساو لتاركه في عبادته وطاعته لربه لتفاوتت الدرجات عند اللّه بغير العبادات وترك المنهيات وذلك باطل بما جاءت به الشرائع ، اللهم إلا أن يظلم الإنسان في عرض أو مال فإنه يؤجر على ذلك وإن كان لم يطع بذلك ولسنا نعنى هذا القسم وإنما نعنى إذا وقع الاستواء بين الرجلين من كل وجه إلا أن أحدهما ترك المباح لا لعبادة أخرى والآخر فعله ، فقد تبين بهذه الوجوه غلط من ظن أن الورع يكون محمودا بالنظر إلى طول الحساب . فإن قيل هذا مصير إلى خلاف رأى السلف الصالح من الصحابة والتابعين والعلماء المتقدمين فإنهم تورعوا عن مباحات قطعا وذلك منقول تواترا كترك الترفه في المطاعم والمشارب والملابس والمساكن لا سيما / ص 7 / عمر بن الخطاب وأبو ذر وسلمان وأبو عبيدة وكذلك علي بن أبي طالب وعمار وغيرهم رضى اللّه عنهم أجمعين ولا معنى للتعرض للعدد في هذا فلو كان الورع عن المباح غير مفيد لما فعلوه . وهذا سؤال لا اكتراث به والجواب عنه قريب هين . فنقول أولا هذه حكايات أحوال فإن اقتصر على مجرد الترك فلا يخفى سقوط الاحتجاج إذا لا يلزم أن يترك ورعا وإن نقل أنه إنما ترك ورعا فقد تحقق بالبرهان القاطع أن مطلق الترك لا يتصور أن يكون ورعا مطلوبا وبينا فساد المصير إلى الورع بناء على طول الحساب وإذا وقع النقل عن المعتبرين في ترك المباح ورعا فذلك يكون عند كون فعل المباح يمنع من عبادات ويحول عن خيرات فيترك ليمكن الإتيان بالخير والمدح والثناء على ما أتى به أو قصد التوصل إليه لا إلى مطلق الترك والكلام مفروض فيما إذا لم يأت المباح بعبادة أخرى ولا قصداها فيحمل ترك الأولين للمباحات للإتيان بالعبادات من أعمال القلوب والجوارح وعلى ذلك ينزل نهى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ولده عن الجمع بين لونين أمره فيما يظن بالاكتفاء بأحدهما وأن يجعل ما يزاد على مقدار الحاجة في جهات الخير وكذلك

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 441 ) ، ومسلم ( 4 / 2200 ) .