ابن عطاء الله السكندري
القسم الثاني 37
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
ومنازل المحو على مراتب : محو الأفعال في فعل الحق ، ثم محو الصفات في صفاته ، ثم محو الذات . فمقام المحبة آخر منازل العوام ، وأول مقامات الخواص ، ومن تخلّف عن السابقين إلى الحضرة الأحدية ، وبقي في أودية الفناء كان من ضعفاء الخاصة ، فالمحبّون عبيد خلّص يعملون عملا خالصا لمحبوبهم ، ومن دونهم أجراء يعملون لغرض وعرض ، والمحبة تفيد الانقياد التام والسجود الذاتي المؤدي إلى الاقتراب ، كما قال اللّه تعالى : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [ العلق : 19 ] . ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في هذه السجدة : « أعوذ بعفوك من عقابك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك » « 1 » .
--> - محو أوصاف العادة كما أن الإثبات إقامة أحكام العبادة وينبغي أن يكون على ثلاث طرق : محو الزلّة عن الظواهر ومحو الغفلة عن الضمائر ومحو العلّة عن السرائر ، كذا في شرح عبد اللطيف للمثنوي . ويقول في مجمع السلوك : المحو عبارة عن اجتناب أوصاف النفوس ، والإثبات عبارة عن تثبيت أوصاف القلوب ، إذن فالشخص الذي اجتنب الأوصاف المذمومة وتبدّل بها الصفات الحميدة فهو صاحب محو وإثبات . ويقول بعضهم : المحو إبعاد رسوم الأعمال بالنظر أي نظر الفناء إلى نفسه ، وكل ما هو صادر من نفسه ، والإثبات هو إثبات الرسوم بتثبيت اللّه فهو قائم بالحق لا بنفسه . وقيل : المحو إبعاد الأوصاف ، والإثبات هو إثبات الأسرار . قال اللّه تعالى : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ [ الرعد : 39 ] ، قيل : يمحو عن قلوب العارفين الغفلة عن اللّه وذكر غير اللّه عن ذكر اللّه ، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر اللّه فالمحو لكل أحد والإثبات لكل أحد على ما يليق به ، والمحق فوق المحو لأن المحو يبقي أثرا والمحق لا يبقي أثرا انتهى كلامه . ونقل عن الشيخ عبد الرزاق الكاشي أن المحق هو فناء وجود العبد في ذات الحق كما أن المحو هو فناء أفعال العبد في فعل الحق . والطّمس فناء الصفات ( البشرية ) في صفات الحق . شعر فارسي وترجمته : المحو أول والطّمس ثاني * والمحق آخر إن كنت تعلم ويقول في لطائف اللغات : المحو الحقيقي هو محو الجمع الذي يقال له في اصطلاح الصوفية عبارة عن محو الكثرة الخلقية في الوحدة الإلهية . ( كشاف اصطلاحات الفنون 2 / 1490 - 1491 ) . ( 1 ) أخرجه بهذا اللفظ ، النسائي في الاستعاذة باب 62 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 2 / 119 ، 3 / 46 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 4 / 483 ، 9 / 58 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 27 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 38290 ، والربيع بن حبيب في مسنده 1 / 26 . وروي الحديث بلفظ : « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » . أخرجه بهذا اللفظ مسلم في الصلاة حديث 222 ، وأبو داود في الصلاة باب 148 ، والوتر باب 5 ، والنسائي في قيام الليل باب 51 ، والترمذي في الدعوات باب 75 ، 112 ، وابن ماجة في الدعاء باب 3 ، والإقامة باب 117 ، ومالك في مس القرآن حديث 31 ، وأحمد في المسند 1 / 96 ، 118 ، 150 ، 6 / 58 .