ابن عطاء الله السكندري

القسم الثاني 38

الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )

إشارة إلى مراتب الفناء من الأفعال والصفات والذات . واعلم أن شجرة تنبت في رياض القلوب ، وتنمو بحياض الطعام وكرم علّام الغيوب ، لما ورد في كلام القدسية « كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف » ، « وتحببت إليهم بالنعم حتى عرفوني » « 1 » . فالذات الأحدية أحبّت أن يظهر كمالاتها المخزونة في عين الجمع والغيوب ، فأودعها معادن أعيان الناس ، وأوجدها في عالم الشهادة . تحبّب إليهم بالابتلاء بالنعم والنقم ليعرفوه عند ظهور صفاته عليهم ، فيصيروا مظاهرا له في الانتهاء ، كما كانوا معادن وخزائن عند الابتداء . فالحق حقيقة تنشأ منه وإليه تعود أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشورى : 53 ] . فهو محب ومحبوب ، وطالب ومطلوب . يقال : إن دعوى المحبة أمر سهل ، ولكن جوهر المحبة عزيز . ومن علامات الصدق في هذا الباب أن لا يكره الموت ليتخلص من الحجاب ، فالمحب الصادق لا يكره لقاء المحبوب . ومنها : أن يؤثر رضا اللّه تعالى على هوى نفسه . ومنها : أي يحب ذكر اللّه ، فإن المحب يحب ذكر الحبيب ويكثره . قيل : من أحبّ شيئا أكثر ذكره . ومنها : أن يحب كل ما نسب إلى اللّه تعالى من كلامه ورسوله فإذا كان قويّ المحبة يحب كل مخلوق وموجود من جهة أن الكل مصنوع المحبوب الحقيقي . ومنها : أن يحب الخلوة مع الحبيب والمناجاة له . قال يحيى بن معاذ « 2 » : ليس بصادق من ادّعى محبته ولم يحفظ حدوده .

--> ( 1 ) تقدم الحديث مع تخريجه . ( 2 ) يحيى بن معاذ : تقدمت ترجمته .