ابن عطاء الله السكندري
85
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
وقال سفيان الثوري رضي اللّه عنه : « إنما يتعلم العلم ليتقى به اللّه تعالى ، وإنما فضل العلم على غيره لأنه يتقى اللّه به » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من تعلّم علما مما يبتغى به وجه اللّه تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة ( أي رائحتها ) يوم القيامة » . فعليك أيها المسلم بالعلم النافع المقرون بالخشية من اللّه تعالى لتجد نوره في قلبك فتزداد معرفتك بربك عزّ وجل ، وذلك لأن الخشية توصل إلى التقوى ، وهو يوصل إلى العلم اللدني الوهبي المشار إليه بقوله تعالى : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، مصدقا لقوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 282 ] ، فهذا العلم هو المقصود من قول اللّه تعالى مخاطبا نبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . الحكمة السابعة والعشرون « 1 » : « من أثبت لنفسه تواضعا فهو المتكبّر حقّا ، إذ ليس التّواضع إلّا عن رفعة ، فمتى أثبتّ لنفسك رفعة فأنت المتكبّر حقّا » . شرح الحكمة : إن هذه الحكمة تشير إلى صفتين الأولى محمودة وهي التواضع ، والثانية مذمومة وهي الكبر ، وإن التواضع فضيلة في النفس ناشئة عن أمرين الأول : معرفة الإنسان المسلم بصفات نفسه الحقيقية من الضعف والعجز والجهل والذل والافتقار الدائم للّه تعالى ، وعلمه بأن كل ما فيه من محامد إنما هو من فضل اللّه تعالى عليه ، ورحمته به أن أجرى الخير على يديه . والأمر الثاني : مراقبة الإنسان المؤمن لعظمة اللّه تعالى وكبريائه ، وأنه القاهر فوق عباده مما سيولد في قلبه الخشية والهيبة والرهبة من اللّه تعالى ، فلا يرى لنفسه رفعة على أحد من خلق اللّه تعالى ، قال سيدنا موسى عليه السلام فيما أوحاه اللّه تعالى إليه : « إنّما أقبل عمل من تواضع لعظمتي ولم يتكبر على خلقي ، وألزم قلبه خوفي ، وقطع النهار بذكري » . وقد حثنا اللّه تعالى على التواضع وأمرنا به بقوله تعالى : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) [ الشّعراء : 215 ] وفي الحديث القدسي : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد » ( رواه مسلم ) .
--> ( 1 ) ورقمها ( 238 ) في النص الكامل للحكم .