ابن عطاء الله السكندري
82
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
فعليك أخي المسلم أن لا تغفل عن اللّه تعالى طرفة عين إذا أردت أن تسلم من كيد الشيطان ومكره وإغوائه ، ويتحقق لك ذلك بأن تعبد اللّه تعالى كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك وهذا هو مقام الإحسان ، والإحسان ثالث أركان الدين الإسلامي ويأتي بعد ركني الإسلام والإيمان . الحكمة الخامسة والعشرون « 1 » : « لا تنفعه طاعتك ، ولا تضرّه معصيتك ، وإنّما أمرك بهذه ، ونهاك عن هذه ، لما يعود عليك » . شرح الحكمة : إن هذه الحكمة تتحدث عن مسألة في العقيدة وهي وجوب الكمال المطلق للّه عزّ وجل ، ومن مقتضيات هذا الكمال الإلهي : اتصافه تعالى بالغنى الذاتي فهو تعالى غني عن كل ما سواه من المخلوقات ، قال اللّه تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 64 ) [ الحجّ : 64 ] وهي تفتقر إليه في كل نفس من الأنفاس ، قال اللّه تعالى : * يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 ) [ فاطر : 15 ] إن اللّه عزّ وجل لم يلحقه بإيجاد الأكوان كمال كما لم يلحقه بإعدامها نقص . فهو تعالى لم يخلق الخلق لغرض يعود عليه منهم ، لأن أفعاله تعالى منزّهة عن الأغراض والأعواض بل أمرهم بالخير ونهاهم عن الشر لما يعود عليهم من المنافع والمصالح في دنياهم وآخرتهم تفضلا منه تعالى ورحمة ، قال اللّه تعالى : وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [ الإسراء : 70 ] وقال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) [ النّحل : 18 ] وقال تعالى : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً [ لقمان : 20 ] وقال تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 164 ) [ البقرة : 164 ] وقال تعالى : اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) [ الأنعام : 102 ] .
--> ( 1 ) ورقمها ( 211 ) في النص الكامل للحكم .